أنَّى توجَّهت، فثمَّ وجه المسيح، ومحمد، والرسل والأولياء والأوصياء. وأنَّى يمَّمت شطر الأرض، فثمَّ وجه "علي" أمير الفقراء والمحرومين والمؤمنين، ووجه "الحسين" من لهيب رمال كربلاء، وأنين الجوعى، وكسرة خبز، وكسوة عريان، وإطعام مسكين، ومسح رأس يتيم، وتحرير أسير، وحرية عبيد، ورفع مذلَّة، وتحطيم ذِلَّة، ومثلي لا يُبايعُ مثله. 

 

إضرب بطرفك وجه أرض "المسيح" يتوسَّد حجراً، ويلَبِس خشِناً، ويأكل عشباً، إدامه الجوع، سراجه قمرالسماء ونجوم الكواكب، ظلاله مشارق الأرض ومغاربها، فاكهته من أديم الأرض، ريحانته ما تأكله هوامها، دابَّته رجلاه، وخادمه يداه. عصاهُ من خشب، عمامته من خيط الفقراء، لم يلبس "مسيحنا" تاجاً من ذهب، وصولجاناً مرصَّعاً بذهب السلاطين.

 

إبصر في وجه "محمد" قد قُبضت عنه أطراف الدنيا، ووطئت لغيره أكنافها، وفُطِم عن رضاعها، وزُوي عن زخارفها ـ أهي كسروية ـ لقد وصفه زاهدٌ من زهَّاد الأرض، جندب بن جنادة الغفاري، أبو ذر: لم يملأ ـ محمد ـ بطنه في يومٍ من طعامين، وأنه كان إذا شبع من التمر لا يشبع من الخبز، وقد يمرُّ به هلالٌ ثم هلالٌ لا يوقد في بيته نارٌ لخبزٍ ولا لطبخّ..!.  

 

إقرا أيضا: لغة الضَّاد بين الكف والمكفوف....!

 
 

 

  لم يُقدِّس "محمد" قماش قريش، لم يرتدِ زيَّاً نبويَّاً ولباساً دينياً، ثوبه الوحيد من خيط فقراء قريش، راتقاً ثوبه الديني بإبرة الزهد، مأكله وملبسه ومسكنه كأي فقيرٍ في بطون ولهيب  صحراء مكة، قائلاً: ما أنا إلاَّ ابن امرأةٍ كانت تأكل القديد  وتمشي في الأسواق.

 

أنظر في وجه "علي" خاصف نعلاً، بذل مال ما ملك، باع كل ما امتلك، مكتفياً من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه، سكن كوخاً، ترك قصراً أحمراً، أبيضاً، أصفراً، أخضراً. 

 

 

   أأقنع من نفسي بأن يُقال أمير المؤمنين، ولا أشاركهم  مذهبك يا "علي" محاربة الفقر، خارس الفطن، يعيشُ الفقير غريباً في وطنه، وإذا كان الموت أبشع ما يُلمّ بالإنسان من أحداث وجوده، في بلدٍ تتسلَّط عليه سلطة وحشيةٌ مستوحشة، فالموت عندك يا "علي" دون الفقر بشاعة، بقولك: الفقر هو الموت الأكبر.

 

 إقرأ سلاماً على حاضنة الأيتام "كربلاء الحسين"، على العطشى من سواقي "العبَّاس" وصراخ الأطفال، يا تاريخ العراق، وكل التاريخ، يا حلم عيسى ومحمد وعلي، والذرية الطاهرة، ويا غاسل "العار" بدم البطولة الطاهر، دماؤكم لا توجد إلاَّ في دفاتر المؤمنين الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.  

 

سلامٌ لكم وعليكم، يا نجوم الأرض وبسمتها، يا محاريب الإنسانية، لقد زوَّر تجَّار العبادات إرادتكم لمنافقهم بإفقار الناس، وزيَّنوكم بسلاسل من ذهب، وأنتم من صبَّ على المستغلين والمتخمين وأعداء الشعب والمتآمرين على خبز الفقير وتعب العامل، اللعنة الأبدية، إنهم حوَّلوا مقامتكم وعباداتكم إلى ما يُشبه الظاهرة، وأفرغوها من روحيتها، وانتشرت من دون أن تتعرَّض لقمعٍ من قٍبَلِ سلطات متعدِّدة، منذ الإسلام الأول وحتى الآن، نتيجةً لمنافع استفاد منها الجميع من سياسيين ودينيين وتجَّار حجر وبشر ونساء، وتحوَّلت إلى مصدر مالي أساسي من مصادر السلطات القديمة والدول الحديثة. 

 

 

ليتهم أنزلوا تماثيل الذهب من مقاماتكم وكادرئياتكم وأسكبوها نقداً، وبشرَّوا في الأرض بالمحبة وإطعام الطعام في يومٍ ذي مسغبة، كما فعلتم يا أولياء الله، متى يأتي دور الأموات في بلادنا لتفتح الخزائن، ونخرج منها عجائب الذهب والمال والكنوز. فلا يبقى على الشفاه يباس، ولا في البطون طوىً، ولا في الأدمغة تحجُّر.