يصف القرآن الكريم فرعون الحي الذي يتحصَّن بالقصور ويسرق نفقاتها من مال الناس العام وسط حراسة مشدَّدة ٍٍَِّفيما يشبه ما يجري اليوم من زمان ومكان من تكرار الحالة الفرعونية
 

قصة فرعون هي ليست حكاية تخص مصر القديمة والمصريين القدماء، بل هي نموذج حكاها القرآن الكريم عن فرعون المتجبر والمتكبر والمسلط على رقاب الناس وعقولهم، ومثلنا مثل الكثيرين الذين يقرؤون آيات القرآن الكريم تحصيلاً للأجر والثواب، وكنا نعتقد أنَّ القرآن يقصد فرعون الميِّت منذ أكثر من ثلاثة الآف سنة.
وفي التجربة التاريخية التي تزيد في وعي الإنسان وبالأخص حينما ينظر العاقل إلى علاقة التيَّارات الإسلامية  والأصولية الدينية في المجتمع،يرى فرعون مصر مع نبي الله موسى (ع) أنه هو الرب الأعلى والقدوة في كل شيء، مخاطباً أهل مصر بجبروت وطغيان، كما وصفه القرآن الكريم (وما أريكم إلاَّ ما أرى، وما أهديكم إلاَّ سبيل الرشاد) 
هنا القرآن يصف ويلعن فرعون الحي الذي يتحصَّن بالقصور ويسرق نفقاتها من مال الناس العام وسط حراسة مشدَّدة من سيَّافين ذي حرفةٍ عاليةٍ، وخبرةِ مرموقةٍ بأثواب الدين والتقوى والخوف من الله تعالى، ويدفع رواتبهم من نفس مال الناس، فالمشكلة هنا تكمن في علامات فرعون المستبد وفرعون الإقطاعي الذي ساق الناس إلى عقل واحد، فكيف يمكن لأمةٍ تريد النهوض وعقلها في إجازةٍ طويلةٍ، أو تأجِّر عقلها لشخصٍ واحدٍ، الذي تحرسه كتيبة محترفة من كهنةٍ وكتبةٍ وقضاةٍ محترفين ويسخرون عقول الناس المعلقة بإيمانها الغيبي التي ترجو التعويض عما خسرته في الحياة، لأن الحزب الديني وحده يعرف أسرار الكون، ويعرف أحكام الشرع والدين، ويدَّعي المعرفة المطلقة من هم أهل الجنة، ومن هم أهل النار.

إقرأ أيضًا: الشيخ الذي أفسد خوري الكنيس

فالحزب الديني لا يختلف عن حزب فرعون مصر، والشواهد التاريخية وحتى المعاصرة، تكشف لنا سوء أحوال المجتمع الذي تهيمن عليه هذه الأحزاب والتيارات الإسلامية، التي يسود فيه الإرهاب الفكري والإرهاب الدموي والتكفيري. 
والتاريخ أمامنا بماضيه وبحاضره، فالمجتمعات التي تهيمن عليها هذه الأحزاب هي أسوأ المجتمعات في مجال الحريات الفكرية بكل أشكالها وأنواعها، وللأسف حتى هذا النوع بات ضمن الحزب الواحد والطائفة الواحدة والمذهب الواحد،حيث تسود شعارات دينية منمقة تصب في خدمة حزبها، ولا قيمة لها على المستوى الفكري والنهوض نحو العقلانية،بل لو دققنا النظر لوجدناها خاضعة لأوهام العفاريت والجن وتفسير الرؤى والأحلام.

إقرأ أيضًا: لبنان وقانون أحزاب المُغيَّط
وأما الفكر التآمري حدِّث ولا حرج حيث ينتشر فيروس المؤامرة على الإسلام والعقيدة،فالتيار الديني لا يتورَّع عن القول بأشياء تختلف عن أفعاله، لأنه يعلم أن أتباعه محدودون عقلياً وفكرياً ويستأنس بروايات الجن والعفاريت، والجن المستور والجن المكشوف، ويستأنس بأحكام الميت عملاً بمقولة "التعويض" في عالم الآخرة، حينها يتخلى عن حقه وليس مستعداً للمطالبة به ما دام سيحصل عليه ما بعد الموت، مع العلم بأن القرآن الكريم يطرح قضية الحياة بعد الموت بمفهوم يختلف عن مفهوم المؤسسة الدينية، لأن الحياة بعد الموت ليست تعويضاً عما تخسره في الحياة، بل الجنة للصالحين الذين يعملون أعمالاَ صالحة في حياتهم الدنيوية، لهذا صدقت مقولة فرعون التي إستخدمها في حزبه وقومه، "وما أريكم إلاَّ ما أرى،وما أهديكم إلا سبيل الرشاد"... وقوله تعالى:"فاستخف قومه فأطاعوه"