منذ أكثر من ثلاثين عاماً على مضي حادثةٍ لم تبرح ذاكرتي.. كنا صغاراً عائدين من المدرسة مشياً على الأقدام ومارِّين قرب ساحة القرية حيث المصطبة التي تجمع "الختايرة"، فيستوقفوننا حبَّاً ولطافةً، لكوننا صغاراً لا نعرف إلاَّ الطفولة وبرائتها، ومن بيننا فتاة الحي، تلك الطفلة البريئة التي كانت مميَّزة عن البقية، كونها تلدغ بحرف "السين" فبدل من قولها "سار" قائلة "ثار" وترتفع الضحكات والتعليقات الساخرة و"الثاخرة" من الجميع، ويزداد الطلب والإلحاح على ترديد ما كان يظنه "الختايرة" مزحة، بل نكتة يمازحونها بها، قولي: "سار الصرصور الثرثار".

 

 

 قبل تلك الحادثة لم نلتفت للدغتها، ولم نشعر يوماً بأن اللدغة أمرٌ قبيح، وذاع صيت اللدغة في القرية والمدرسة، حينها تجمَّع فتيان المدرسة حولها كنُقْنُق الضفادع، حتى خجلت واغرورقت عيناها بالدموع وهي تحبس النفس وتسارع الشهقة تلو الشهقة، ودخلنا الصف، فرأيتها تتعثَّر بحقيبة الكتب والدفاتر، وجلست على المقعد، واضعة رأسها على المنضدة واستسلمت للدموع... بدأت حصة العربي للأستاذ "حسان" وكانت العادة أن يقرأ كل واحدٍ قطعة صغيرة من درس القراءة، لكنها تمنَّت ألاَّ يصل دورها داعيةً ربها بأن تتسارع عقارب الساعة لتنتهي من كابوس الوقت.

 

 بعض الأصدقاء في الصف نصحها بأن تسدَّ تلك الفوهات بين أسنانها بوضع حبة حمص قد يساعدها على تخفيف لدغة اللسان، حتى أنها بلعت الكثير من حبات الحمص وهي تنظر في المرآة ومن دون جدوى من ردم تلك الفوهة، ومرَّة أخرى حاولت أن تردمها بلسانها ولم تفلح، متمنية لو أنَّ الله خلق البشر بلا ألسن أو خلقنا بلا فوهات كي ما نبتلع أكياس الحمص أو ما تبقى من بيادر القمح على سطوح البيوت، من لصوص النمل في بلدٍ يتنامى فيه موت الضمير وقلة الأدب من سلطةٍ خفيرها يشرِّد كل الأحلام، ومن زعيمٍ يمتشق لسانه من دون فوهات ليبيع عرق الفلاحين والفقراء والمحرومين متربعاً على أشلاء الوطن.

 

 فلندرك يا صديقتي لعبة البشر في هذا الوطن ونتعلَّم قوانينها، وندرك مخارج الحروف، حتى لا تزداد غربتنا في الوطن غربة، ويزداد فقرنا فقراً من جنةٍ موهومة في منتجع السماسرة ولصوص السياسة وباعة الأوطان والميتة والدم ولحم الفقراء.