مع كل فجر جديد تعلنه صرخات اليتامى وآهات الأرامل ، الأعراض تنتهك وتذبح بدم بارد والعالم العربي يتفرج
 

نترحم على ماض ونتمنى ألا يعود ليدق ناقوس الموت في كل ركن من أركان الوطن ، أذهلت الحرب عيون الأطفال ،وأخمدت وميض براءتها نزاعات الكبار ،فعوقب الأبرياء بجريمتهم .

في طريقي من مدينة ميلانو الإيطالية إلى مطارها الأحد الفائت أتحضر في مقصورة القطار للإستعداد للرحلة، والأبواب متأهبة للإغلاق وفي الثانية الأخيرة وإذا بطفل لا يتجاوز الثالثة عشر من عمره يدخل بين البابين أثناء  إغلاقهما ،فترجلت من مقعدي بسرعة خوفا عليه  لمساعدته من الهلاك ، لأرى طفلين آخرين وسيدة يدخلون القطار من فوق ذلك الطفل الذي حرص على أن يكون السد المنيع والجسر العاتي لمرور قافلة عائلته قبل الإغلاق .

لا أدري لماذا بصيرتي نطقت كلمة عربية لا غير وأنا في بلد أوروبي وصرخت "انتبه بلهجة لبنانبة" فكان الرد من السيدة "يسلمن" بلهجة لبنانية، وبعد أن دخلت تلك العائلة المنهكة من التعب ،وعلامات الأسى والحزن على وجوههم الشاحبة ،يتناوبون الحديث مع والدتهم باللهجة السورية ، هذا المشهد أصبح إعتياديا في كل أصقاع الأرض للحرب البغيضة ،والأطفال الثلاثة يترنحون على شظايا الجوع ،يقتسمون خبز الموت ، ينامون بشوارع ملونة بالدم ، قلوب الناس فيها أشباحا ، ويغدو الحلم طيفا عاجزا بين المهانة والظنون .نادت إبنتها "مريم" للجلوس بجانب أخيها "محمد" لإنتظار الإبن الأكبر "عيسى" لتعبئة قارورة الماء الفارغة من حنفية المرحاض .

إقرأ أيضا : 18 مليار دولار كلفة أزمة النزوح السوري في لبنان
لبنانية وأطفالها السوريين وأسمائهم الممزوجة من ديانتين في بلد أوروبي ،تستدعي التأمل والتفكير .
الأم منهكة حاملة هموم الحياة وأطفالها الأبرياء.
- عيسى الإبن الأكبر عيونه تتكلم دون أن ينطق بكلمة
- محمد الإبن الأوسط أثقله البرد وثارت فيه الرياح
- مريم الطفلة الصغيرة لم تتجاوز ربيعها الرابع غرقت على فوهاتها ألحان  العواصف التي تعزف عزفا بلا مأوى ولا طعام .

بعد حديث مع تلك السيدة وبعد أن سردت حياتها في أقل من عشر دقائق فهي لبنانية مسلمة ومتزوجة من سوري مسيحي والحرب اللعينة   دفعت بهم بالهجرة الأولى من بلدة معلولا بأحد الباصات إلى الأردن مع زوجها وأطفالها , والهجرة الثانية بأحد قوارب الموت إلى أوروبا مع أطفالها فقط ، وزوجها لا تعرف عنه شيئا ،وإلى الآن الأطفال ينتظرون والدهم منذ ثلاث سنوات دون جدوى الذي ذهب بين إختلاف الليل والنهار ومع تطاول مأساة الهجرة وتزايد الضحايا يتحول البشر تدريجيا إلى أرقام، فبات الوالد رقم في سجلات الموتى على أحد قوارب الموت.
 
الكل بانتظار قارورة المياه من "عيسى" ليأتي ولكن بالحقيقة عيسى يجمع بقايا الطعام من مقصورات القطار لعائلته وما أن وصل حتى كانت كل العائلة بانتظار رجل المنزل وما إن أتى "عيسى" وبدأ يتقاسم مع "محمد" و"مريم" بقايا الطعام وفتات الخبز ،والءم الضعيفة القوية تشاركهم الطعام لتعود الكرة مرة ثانية مع كل فجر جديد وقطار جديد ومدينة أخرى .
ومع كل فجر جديد تعلنه صرخات اليتامى وآهات الأرامل ، الأعراض تنتهك وتذبح بدم بارد والعالم العربي يتفرج.

إقرأ أيضا : الراعي: النزوح السوري اكبر خطر على لبنان

لحظات من التأمل بما يدور حولي عدت بالذاكرة ثلاثين عاما إلى الوراء في بلدتي الجنوبية المحتلة إبان الإحتلال الغاصب ،حين كنا أنا ووالدتي وإخوتي الصغار ننتظر والدي الذي كان مجبرا يوميا أن يقطع مسافة ساعات عند الصباح ويعود في المساء لتلبية نداء الواجب الوطني في السلك العسكري  ،فقط ليكون بجانبنا وإذا تعذر الوصول كانت هناك وسيلتان فقط لإخبارنا إما برسالة من زملائه في السلك العسكري الذين يتناوبون على المجيء من بيروت في وسيلة نقل محدودة المقاعد أو باتصال هاتفي من هاتف من الشارع إلى مختار البلدة الذي بدوره يخبر عمي أن والدي لم يستطع عبور المعابر وعمي يزف علينا الخبر سلبا أو إيجابا .

 تذكرت حينها يوما من الأيام إشتدت وزار الحرب والقصف المدفعي، وانقطعت الطرقات ،وليس هناك أي وسيلة إتصال مع والدي، والبلدات المجاورة في الجنوب الممزق صامتة ،وضاق ذرعنا صبرا !وأمي المتظاهرة بالقوة دائما لم تعد كما هي ، صديقتنا الوحيدة في الليل والنهار هي طائرة الإستطلاع بالجو "أم كامل" هذا لقبها كان حينذاك  و"طير الباشق" عند غروب الشمس الذي يروي من السماء أبطال الحرب وشاهد على المجازر والإنجازات في آن واحد ،وأزيز الرصاص في كل أرجاء الوطن والقصف الإسرائيلي يسمع ويرى ويلمس، وليس هناك من قوت نقتاطه مع إخوتي ،ءذكر يومها كانت ليالي بأكملها نقضيها على راديو صغير إستحدثت له أنتينا لتقوية الأثير لصوت الشعب لمعرفة ما يجري من أحداث ،وكم هو عدد الضحايا ، نكتفي فقط بشرب الماء وبعض حبات الزيتون والمعلبات ، وجاء أحد المارة بعد ثلاثة أيام وأودع برطلين من الحليب الذي تحول مع والدتي إلى لبنة مقطوعة بكيس أبيض على شجرة الزيتون ، لتصبح في اليوم التالي مائدة كاملة مصحوبة ببعض الطماطم من الأرض،ورشقات من النعنع الأخضر، وخبز من جدتي العجوز، وإبريق الماء الفخاري المغروس في التراب لأنه الوسيلة الوحيدة لأننا لم نعرف يومها ما معنى كهرباء وما زلنا إلى يومنا هذا بانتظارها في لبنان .

إقرأ أيضا : جعجع: النزوح السوري خلّف انعكاسات كبيرة جداً على الساحة اللبنانية أهمها التوترات المتزايدة بين اللبنانيين والنازحين

وبانتظار والدي الذي انقطعت أخباره ثلاثة أيام إلا أن عرفنا أنه جريح في أحد المستشفيات العسكرية وزف الخبر كالعادة عن طريق البريد الإنساني وكانت هناك الفاجعة لا نستطيع تأكيد الخبر  ومدى صحته أو النزول إلى بيروت شي من ضرب الخيال عشنا يومها أسبوع من الآلام المبرحة.

تظن للحظة الأولى أن التاريخ يعيد نفسه !
لكن بعد التجربة للآسف التاريخ لا يعيد نفسه، بل نحن من نواصل إعادته وتكرار نفس الأخطاء حتى مل منا .

أسبوع مرير لم يتحمله قلبي يوما ذاك ، قلبي اليوم يقتصر ألما وحزنا على أطفال تتوقف قلوبهم من برد تحتضن أجسادهم حتى الموت .
أمسك بالقلم وأنا مجبر على الكتابة ، أقف أمام سطوري وأجد نفسي غير قادر على أن أصف مشاعر الحزن التي يعيشها "عيسى" و"محمد" و"مريم" ما زالوا منتظرين والدهم من ثلاث سنوات وهو آتي إليهم لكن دون جدوى،والأم الحزينة البطلة القائدة متراصة في وجه ذل الحياة ومصاعبها.

إنها حرب لعينة طاحنة بدأت ولم تنته كلنا مشردون ،نريد نزع جواز سفرنا عنا ،وكلنا أحجار على رقعة شطرنج يلعب بها الكبار ويتكبد خسائرها الأبرياء،  يكشف لنا التاريخ أن جميع الحضارات كانت تواقة من أجل تحقيق السلام العالمي وكل الحروب التي عرفناها كانت من أجل تحقيق السلام، إلا أن كل هذه الحروب وجميع إتفاقيات السلام العديدة التي وقعت منذ بدأ التاريخ كلها باءت بالفشل، لأن السلام لا يمكن أن يفرض من الخارج، السلام هو في الداخل فقط ، والفرد إمكانية فاعلة بالمجتمع عليه أن يتمتع بالطاقة الإيجابية مهما كانت ديانته ومعتقده ،والطاقة الإيجابية هي التي تولد الإصرار والإرادة لدى الفرد على تحقيق أهدافه وغاياته ، وضرورة التركيز على الأمور المتعلقة باللاوعي بأمور العيش المشترك والصراع من أجل تحقيق الأفضل لأبناء وطنه.