في ذكرى ميلاده يقول خاطفوه: من يفكر كموسى الصدر سيلقى مصيره
 

قلة في التاريخ أدركوا الحقيقة باكرا وحولوها إلى عمل خدم الإنسان والعالم وقلة من فهموا هذا التاريخ بتغيراته وعبره ودروسه فإستفادوا منه لخدمة الحق والعدالة والحقيقة. واحد من هؤلاء، موسى الصدر ، رجل دين إخترق المشهد اللبناني بسريالية متطرفة وقلب الواقع رأسا على عقب.

إقرأ أيضا : موسى الصدر... رجل الدولة والكيان

موسى الصدر والواقعية:

من الصعب أن تلخص بضع كلمات فكر رجل يشكل في وعي طوائف لبنان جزء من تاريخ البلد في الستينات والسبعينات، تلك الحقبة التاريخية الذهبية والسوداء في آن.  دخل الرجل على بلد مجهول وعاش تجربته فيه بحلوها ومرها قبل أن تتحول هذه التجربة إلى درس له يتعلم منه الخطأ والصواب. ولست في وارد القراءة في نوايا الرجل فأفعاله تتكلم عنه وأهدافه تدل عليه، وهي بأجمعها لم تبتعد عن صراط الوطنية والوحدة الإسلامية والتعايش المشترك ودولة المواطنة. لكن الغريب فيه والجميل في آن أنه رجل دين إحتل مساحة واسعة في عالم السياسة  وأصبح  يشكل جزءا من  النوستالجيا  اللبنانية. فلا يمكن قراءة لبنان في تلك الفترة من دون قراءة العديد من سير رجاله ومنهم الإمام موسى الصدر.

إقرأ أيضا : مـن هـو الامـام السيـد موسـى الصـدر ؟؟

في تلك الحقبة إنتشرت شعارات عديدة كالهشيم في النار مثل تحرير فلسطين من النهر إلى البحر وإسقاط النظام اللبناني وطرد المسيحيين وقتال الفلسطينيين وبعض من دعوات الإنضمام والوحدة مع سوريا أو الإنفتاح النهائي على الغرب. هنا كان قدر موسى الصدر أن يشكل نقطة إلتقاء بقدر الإمكان بين جميع الجهات المتخاصمة، اليمين واليسار، من أجل السلم الأهلي وضمان الوحدة اللبنانية. لعب هذا الدور وقد رافقه حتى رحلة الغياب وسبب له الكثير من المشاكل والأحقاد التي ساهمت في إضعاف زخمه وأهدافه لكنه حقق أضعف الإيمان. فقد تجلت نجاحات الرجل من كونه واقعيا لا غيبيا أو كاذبا يرمي الشعارات هكذا بل لأنه مؤمن بأهداف تلبي طموحات جميع اللبنانيين. وكان لهذا الشيء أن يضعه في موقف المتناقض أحيانا فقد إستخدم قليلا الشعبوية في خطاباته لكنه كان يتراجع عنها عندما يراها مؤذية للوطن وهذا سر نجاحه وهنا عظمة فكره. لم يقدم نفسه على أنه الرجل الذي لا يخطىء أو أنه معصوم كما يحلو للشيعة أن يصفوا كل صاحب عمامة سوداء تعتلي المنبر بل كان قريبا لوعي المواطن ولهواجسه وهمومه.

إقرأ أيضا : لا تظلموا موسى الصدر مرتين.

فهو حينا يرفع شعار:" السلاح زينة الرجال " وحينا آخر يتراجع عن هذا الشعار ويحصره ضد إسرائيل فقط عندما وجد أن بعض أتباعه شذوا عن القاعدة وإستخدموه في الداخل. قد يرى البعض بهذا التراجع تناقضا لكن هو ليس بذلك بل هو تطبيق حرفي للعبة السياسة التي كان يتقنها الرجل، فالسياسة لا تعترف بالمثاليات والشعارات الزائفة التي لا تطعم خبزا بل تعترف بالواقع " الفن الممكن "، ومن هذه النقطة بالتحديد تجلت سمة أخرى للإمام وهي النزعة البراغماتية التي لا يحب كثر من محبيه الإعتراف بها كونهم يسيئون فهم البراغماتية ويفضلون ككثر من المسلمين العقائدية في الفكر. بين هذا وذاك كان على الصدر أن يأخذ قرارا أولا في طريقة التفكير ليدخل نادي السياسيين من أوسع أبوابه ويؤمن الحقوق لمحرومي لبنان، فكان واقعيا وبراغماتيا ويتعامل مع الأسباب وحول المناسبات الدينية الغالية على قلوب الشيعة كعاشوراء إلى منصة لمحاكاة المحنة اللبنانية من الحدود إلى البحر دون أي تفرقة. لكن واقعيته هذه سنراه تنعكس لاحقا في إعطاء الشيعة أولوية في خطاباته، فالرجل بحث ودرس الواقع ووجد أنهم الأكثر حرمانا فركز عليهم ولم يخجل من ذلك ولم يتخل عن أدبياته الوطنية.

 

 

شماعة القضية الفلسطينية:

ومن جهة أخرى ، إحتلت فلسطين وقضية شعبها مساحة واسعة في تفكيره ورفع كغيره شعارات كبيرة لتحريرها كالمقولة التاريخية التي وجهها للرئيس الراحل ياسر عرفات :" إعلم يا أبا عمار أن شرف القدس يأبى أن يتحرر إلا على أيدي المؤمنين الشرفاء" وهو شعار شعبوي لا شك في ذلك. لكن ميزة الإمام أنه لم يتمسك به ويضعه شماعة لإستغلالها كتجار القضية حتى يومنا هذا بل ذهب وإستبق الجميع وقال في إحدى المقابلات أنه لا مانع من قيام دولة فلسطينية على حدود العام 1967 تؤمن الحقوق للشعب الفلسطيني كمقدمة للتحرير الكامل. فمن المعلوم أنه في ذاك الزمن كان هناك وجهتي نظر حول القضية الأولى ترفع شعارا زائفا لإستغلال القضية وتبرير الظلم وهو تحرير فلسطين دفعة واحدة وهم أنفسهم حتى الآن لم يحرروها. ووجهة نظر أخرى تقبل بدولة فلسطينية على حدود العام 1967 وهي مدرسة الرئيس ياسر عرفات والذي حورب حينها من أجل ذلك قبل أن يقبل بهذا الواقع من حاربوه وهم اليوم يرفعون نفس الشعار. كان الإمام أقرب في وجهة النظر هذه إلى الرئيس عرفات بقبول الدولة  مع بعض الملاحظات ولكنه أضاف عليها تحريرها فيما بعد بحيث يصبح للشعب الفلسطيني مكان يؤمن لهم القوة داخل الأراضي التاريخية لهم .

إقرأ أيضا : هل من جديد في قضية الإمام الصدر ؟

وهذا جزء من مقابلة أجراها الإمام عام 1976 يتكلم فيها بواقعية عن القضية الفلسطينية .

" س : قبول العرب بإسرائيل بعد ثلاثين عاماً من الرفض أليس حلاً استسلامياً؟  ج:  إنني لا أدافع عن استراتيجية العرب تجاه اسرائيل منذ تأسيسها. ولكن أقف عند نقطة أساسية وهي: أن الأخطر من ولادة اسرائيل في هذه المنطقة هو استقرارها ودخولها في جغرافية هذه المنطقة وفي تاريخها. 

لذلك فإن الجانب الايجابي والأساسي من الرفض العربي، هو مسألة عدم التعامل والمقاطعة الاقتصادية. العاملان اللذان يمنعان استقرار اسرائيل وهضم المنطقة لها. وما عدا ذلك فإن عنصر الرفض المطلق كان جموداً سياسياً". 

س : مثلاً على ذلك ؟  ج: مثلاً... عندما طرحت المقاومة شعار الدولة الديموقراطية اللاعنصرية في فلسطين، كانت موفقة بنفس المقدار الذي توفقت يوم تأسيسها، لأنها قبل طرحها هذا الشعار كان رفضها مطلقاً، ويبدو للعالم أنه غير منطقي، وكان من جراء ذلك أن العالم اتهمها واتهم العرب معها أنهم يريدون رمي اسرائيل في البحر! 

إنني أتصور أن الشعار الذي طرحته بعض الفصائل من المقاومة وبعض الدول العربية بقبول قرارات الأمم المتحدة كلها بما في ذلك قرار التقسيم الصادر عام 1974 يجب أن يكون شعار هذه المرحلة، وهو أفضل من الرفض الفعلي المطلق...وإلا فإننا نسمع يومياً شعار انسحاب اسرائيل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967 وإعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني دون أن نبين للعالم ما هي هذه الحقوق وتلك الأراضي، وبالتالي نظهر بمظهر سلبي ورافض، مع العلم أننا إذا فسرنا الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني بوضوح وقلنا إن العرب يريدون أن يعيش الفلسطيني بكامل حقوقه المواطنية على أرضه، خطونا خطوة ايجابية لأن معنى تمتع الفلسطينيين في حقوقهم يقترب جداً من شعار الدولة الديموقراطية المطروحة من قبل المقاومة الفلسطينية، حيث إن اسرائيل كما يعرف العالم كله لا تقر حقوقاً لغير اليهودي (المولود من أبوين يهوديين)، وقد جرى نقاش منذ سنتين تقريباً عندما أصدرت محكمة قراراً بتمتع شخص يهودي من أم غير يهودية بحقوق المواطنية".

أقول ذلك لأبين واقعية هذا الرجل وطريقة تعامله مع الأمور، لم يكن يطلق شعارات من أجل إرضاء الجمهور بل من أجل زرع وعي ولاحقا فكر يتعاطى  مع الأمور بأسبابها ونتائجها كما هي.

إقرأ أيضا : رجال الدين وتكفير موسى الصدر

 

كان مدرسة في الواقعية والعقلانية البعيدة عن التجارة بعقول ومشاعر الناس والبعيدة عن القتل بإسم القضية والتبرير لأنظمة القمع والديكتاتورية تحت يافطة تحرير فلسطين. كل هذا لم يمنعه من أن يكون حالة وطنية عربية مستقلة ومنفتحة على الجميع، لم يقطع مع اليمين ولا اليسار رغم التخوين وفتح علاقات مع معظم الدول العربية ولم يرفع شعار "دولة إسلامية في لبنان " لعلمه بأن هذا الشعار ولد ميتا ولن يرى النور ولو لألف عام، ولعلمه أن هكذا شعار هو من أجل إستغباء الناس وعدم البوح لهم بحقائق الأرض والديمغرافيا اللبنانية والعلاقات الدولية مع لبنان. كان موسى الصدر إبن الأرض التي لم يولد فيها، فهمها وحللها ودرسها وعمل على أساس ذلك، حول نتاجه الفكري والديني والثقافي لخدمة الكيان اللبناني وفكرة " لبنان كوطن نهائي لجميع بنيه"  وأسس على المشتركات بين الجميع وتكاد تخلو خطبه من أي نفس تخويني رغم الكم الهائل من الإختلاف وعشق لبنان حد القسم بإسمه وجباله.

إقرأ أيضا : موسى الصدر....والموسيقى...! فلو أن موسى الصدر عاش فترة الإستقلال في لبنان لكان من أوائل الداعمين لفكرة لبنان ولكان وفر الكثير من الأعباء التاريخية التي دفعها الشيعة فيما بعد بسبب شعار الإنضمام إلى سوريا والتي لا يزال يدفعها الشيعة حتى اليوم في طريقة تفكيرهم وتعاطيهم مع الآخر ومن خلال مشروع " الأدلجة " المستمر في أوساطهم  الذي كالسكين يذبحهم. كل هذا شكل مشهدا خاطفا في تاريخ لبنان لم ينته إلا بطريقة مؤلمة أراد من خلالها خاطفوه القول:" من يفكر كموسى الصدر سيكون مصيره كموسى الصدر".