بفعل التأزم السائد على العلاقات الإيرانية السعودية والخلافات العميقة التي تستمر بينهما اضطر الاثنان إلى الاستقواء بالقوى العظمى لكسب اليد العليا في مواجهة الآخر، وبناء على هذا الافتراض يمكن تفسير الزيارات الكثيفة بين العاصمتين : بين جدة وواشنطن وبين طهران وموسكو ,وربما يصعب على المتابع إحصاء تلك اللقاءات والزيارات.

حصل خلال تلك الزيارت واللقاءات نوع من التحالف غير المكتوب و غير المعلن بين جدة وواشنطن وبين طهران وموسكو بغية الاستعداد لأي طارئ في الشرق الأوسط. ويبدو أن القوتان العظيمتان - الولايات المتحدة وروسيا- تقودان إيران والسعودية إلى حرب طويلة تدمّر بنيتهما التحتية وتحدث شرخا واسعا في العالم الإسلامي.

كيف يهيئ الأمريكيون والروس الأرضية الملائمة لتلك الحرب المتوقعة؟

أعرب الأمريكيون عن استيائهم حيال ما عبروا عنه بالتدخل الإيراني في اليمن كما في سوريا وحاولوا تطمين السعوديين بأن الولايات المتحدة سوف تحتفظ بدور الحليف الاستراتيجي للسعودية في مرحلة ما بعد الاتفاق النووي.

إن الأمريكيين خلافاً لدعواتهم إلى اقناع السعودية وإيران لتقاسم النفوذ بينهما، ولكنهم يرحبون بنشوب حرب بين إيران والسعودية، لأن المصالح الأمريكية تتطلب ذلك، حيث إن الغرب لم يعد بحاجة إلى بترول الخليج كما كان بحاجة إليه قبل سنوات، لأن إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة أغناهم عن الخليج، فضلاً عن أن حقل البترول الأمريكي هو المستفيد الأكبر من وقوع حرب جديدة في الخليج، كما أن مصانع السلاح الأمريكي سوف تزدهر بشكل نوعي جراء الحاجة السعودية إلى السلاح الأمريكي، كما كانت مستفيدة خلال عقود.

إضافة إلى مصانع السلاح ومجال البترول في أمريكا سوف يكون الكيان الصهيوني من أكبر المستفيدين من وقوع أية مواجهة عسكرية بين إيران والسعودية، لأن من شأنها حتماً أن تُضعف البلدين اللذين يعتبرهما الصهاينة مصدرين لتهديد أمنهم.

كما إن الروس الذين يصعب الآن التمييز بين قواعدهم الجوية في سوريا وإيران، يرغبون في شنّ حرب ضد السعودية عبر الوكالة الإيرانية، لأن الروس هم أكثر المتضررين من السياسة النفطية السعودية خلال العامين الماضيين، وهم بدورهم يريدون توجيه ضربة موجعة للملكة السعودية وسلبها الموقع الذي تحتله في منظمة الدول المصدرة للنفظ.

إن نشر المقاتلات والقاذفات الروسية في قواعد إيران الجوية يمكن أن يكون رسالة استفزازية للسعودية ودفعها إلى المزيد من التقارب مع الولايات المتحدة.

خلال تلك الظروف إن الكيان الصهيوني يتابع مخططاته العنصرية في الداخل ويروج لتوجيه عداء العرب إلى إيران بدل الصهاينة وإظهار نفسه كصديق للعرب وليس العدوّ.

إن الروس لن ينظروا إلى إيران نظرة الحليف، بل ينظرون إليها نظرة البطاقة التي يمكن الكشف عنها لكسب اللعبة، كما إن الولايات المتحدة لا يبطنون خيراً للملكة العربية السعودية ولهذا يجب على البلدين - إيران والسعودية- العودة إلى لغة العقل والحوار والعمل من أجل تخفيف التوتر، لأن نشوب الحرب بينهما يؤدي إلى تدمير البنية التحتية لكليهما ولن ينتصر فيها طرف دون آخر، وأن مصلحة القوى العظمى تقتتضي أن تخلف تلك الحرب أكبر قدر ممكن من الدمار ليزيد حاجتهما إلى روسيا وأمريكا.