يقول رئيس سابق للحكومة إن لبنان إذا ظل محكوماً بالسلاح خارج الدولة فلا دستور يمكن تطبيقه ولا قانون ولا أمن إلا بالتراضي، ولا خروج من هذا الوضع الشاذ لا بانتخابات نيابية ولا بانتخابات رئاسية.

في الماضي عندما كان في لبنان دولة قوية وقادرة كان السلاح خارج الدولة الموجود في المناطق النائية يحول أحياناً دون تطبيق القانون على حامليه إلا بالتراضي... وعندما صار السلاح في أيدي اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ولم يعد لسلاح الدولة القدرة على إخضاعه لقوانينها ومحاسبة حامليه صارت مناطق خاضعة لسيطرة هذا السلاح ومناطق خاضعة لسيطرة الدولة. وعندما اشتعلت الحرب الداخلية في لبنان زالت الدولة وحلّت محلها الميليشيات في مناطق سيطرتها، ولم يغير انتخاب الياس سركيس رئيساً للجمهورية شيئاً من الوضع الشاذ سوى انه تحول رئيساً يدير الازمات ولا تستطيع اي حكومة اتخاذ قرار يخص أياً من دويلات الميليشيات إلا بعد العودة إليها والوقوف على رأيها... فكانت "الحركة الوطنية" في المناطق الغربية و"الجبهة اللبنانية" في المناطق الشرقية تقرران عن الدولة، إلى أن خضع الجميع للوصاية السورية التي فرضها على لبنان اتفاق الطائف، وزال وجود الميليشيات بعد تسليم سلاحها إلى الدولة باستثناء سلاح المقاومة الفلسطينية بحجة انها تحمي المخيمات من عدوان اسرائيلي. لكن الوصاية السورية استطاعت إخضاع هذا السلاح لسلطتها فساد الأمن والاستقرار، ولكن ليس بقوة لبنان العسكرية الذاتية وحدها إنما بالقوة العسكرية السورية المستعارة.
وعندما انتهت الوصاية السورية على لبنان عام 2005 أنشأ "حزب الله" "مقاومة إسلامية" لتحرير الاراضي اللبنانية التي تحتلها اسرائيل، وقد نجحت في تحرير جزء كبير من هذه الاراضي وصار هذا السلاح مقدساً لا يمس...
وعندما صدر القرار 1701 عن مجلس الامن الدولي والذي أنهى حرب تموز 2006 وتوقفت معه العمليات العسكرية المتبادلة بين اسرائيل و"حزب الله" ارتد سلاح الحزب إلى الداخل بعدما اصبح ممنوعاً عليه استخدامه في الجنوب التزاماً بهذا القرار، ولا يزال هذا السلاح يستخدم في الداخل عند كل أزمة سياسية أو اضطرابات أهلية، وكانت أحداث 7 أيار بداية الاحتقان السياسي والمذهبي ووقوع حوادث أمنية في غير منطقة ولا سيما في الشمال والبقاع.
وظن اللبنانيون أن في استطاعتهم الخروج من الوضع الشاذ عندما تجرى الانتخابات النيابية، ومن يفز فيها بالاكثرية يحكم. لكن سلاح "حزب الله" لم يعترف بنتائج الانتخابات واعتبر الاكثرية التي فازت بها 14 آذار اكثرية نيابية وليست اكثرية شعبية، ففُرضت عليها من خلال هذا التفسير حكومة وحدة وطنية تضم الرابح والخاسر في الانتخابات اي الاكثرية والاقلية ولكل منهما خط سياسي يتعارض مع الخط الآخر، فكانت النتيجة ان لا الانتخابات النيابية غيرت شيئاً من الوضع الشاذ ولا حتى انتخاب رئيس للجمهورية، فظلت البلاد محكومة بقوة السلاح خارج الدولة وليس بالدستور والقانون. ولم تتمكن حتى حكومة اللون الواحد برئاسة نجيب ميقاتي من تحييد لبنان عما يجري في سوريا، فقرر "حزب الله" بمعزل عن الحكومة وعن مجلس الوزراء التدخل عسكرياً في الحرب السورية واستدراج نارها الى لبنان...
والسؤال الذي يطرحه الرئيس السابق للحكومة هو: هل ان انتخاب رئيس للجمهورية واجراء انتخابات نيابية على اساس اي قانون وتشكيل حكومة سوف يغيّر شيئاً من الوضع الشاذ الذي عاشه لبنان زمن الوصاية السورية واستمر بعد انتهاء هذه الوصاية ما دام لا حل لمشكلة السلاح خارج الدولة؟
لقد اثبت وجود هذا السلاح قدرته على منع الدولة من تطبيق القانون على الجميع بالتساوي، ففي مناطق يطبّق بالقوة وفي مناطق يطبّق بالتراضي... ومن يظهر بسلاحه في مناطق يلاحق ويحاكم، في حين لا يتصدى احد لحامله في مناطق بحجة انه سلاح "مقاوم". وهذا السلاح خارج الدولة منع تطبيق الدستور ومنع الاحتكام الى المؤسسات لحسم الخلافات لأن الشارع يتولى عنها ذلك.
لذلك يتساءل: ما نفع الانتخابات النيابية والانتخابات الرئاسية وتشكيل الحكومات إذا ظل الحكم للسلاح خارج الدولة والدولة خيال صحراء... ولا ينصبّ الاهتمام على ايجاد حل لمشكلة هذا السلاح كي يصير معنى وجدوى للانتخابات الرئاسية والانتخابات النيابية وتشكيل الحكومات.