لا أدري كلما أحاول نقد اللغة العربية ينتابني الخوف أحياناً، وربما دائماً لما تحمله من تراثٍ تحوَّل إلى القداسة، بحيث جُعلت اللغة كالنص الوحياني الخالص الذي لا يشوبه شائبة،وبالتالي لا يحق لأي أحد نقده أو مخالفته أو معارضته. أولاً ما هي اللغة؟ هي أداة للتفكير من أجل التواصل والتخاطب والفهم بين الناس، ولقد شهدت كل لغات البشر تطوراً في منظومة الألفاظ والجمل والتراكيب، بحيث نشهد اليوم اللغة الانكليزية التي قد تصبح لغة بديلة عن كثير من اللغات السائدة، ولربما تغزو اللغة العربية التي بقيت في عالم التقعيد والرفع والنصب والكسر والجزم، وقد يكون السبب في ذلك هجران وعدم الاكتراث للمعنى والاهتمام فقط في اللفظ سواء بالاشتقاق أو النحو العربي من كيفية الإعراب، فهو فقط مهتم بأن يرفع وينصب ويجزم ويكسر قبل أن يفهم المعنى.

 

 فاللغة العربية هي لغة حيَّة تماماً كأي كائن حي، يعيش ويموت، وينمو ويذبل، ويتطور ويتدهور، فلذلك تكون العلاقة بين الإنسان واللغة علاقة حية قابلة للتطور أو للتدهور، وهذه العلاقة الحية بينهما تعتمد على الوعي والتعقل والمنطق والعقلانية، ومن دون ذلك لا تقوم قائمة للفهم بين الناس. فالنظرة اللغوية اللفظية الصرف، التي ظلت تهمين على النص وتميل إلى إبراز تفوق اللفظ المذكر على المؤنث من خلال (أل) التعريف، فعندما نقرأ تعليقاً لأبي حيان التوحيدي ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ على الآية الكريمة (يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور) فالآية الكريمة قدَّمت (الإناث) ولكن اللفظ نكرة، وأخرت (الذكور) ولكن اللفظ معرفة، أو مُعرَّف، فعلَّل التوحيدي قائلاً:

"التعريف بالتأخير أشرف من النكرة بالتقديم" وهذه قاعدة نحوية قعدت عند النحاة وأصبحت من المسلمات، وهل هذا يكفي للتسليم بهذا التقعيد؟؟!. 

وعلى ماذا يدل؟ وإن دلَّ على شيء، فإنما يدل على أنَّ اللغة تنقل إلى الإنسان نسقاً جاهزاً من القيم؟! وثانياً: فإنَّ اللغة فصلت بين الجنسين وغلَّبت الذكورة على الأنوثة، ويشعرك واضعو هذه اللغة من أنَّ الذكر يمتاز عن الأنثى بحيث يصبح هو الأقدر على الاتصال بالله تعالى والكون والأفلاك والبحار والأرضين والناس والبرق والرعد والمطر والثلج.

 

 علَّق العالم النحوي الكبير والمعروف "ابن جنى" المتوفى ـ سنة 392ه ـ في كتابه "الخصائص" ( فإن تذكير المؤنث واسع جداً لأنه رد إلى الأصل).. وهو المذكر، وهو ما يؤكد على عدم الاعتراف بحق المؤنث ـ المرأة ـ وعلى استيلاب مستمر لها من جهة أخرى.  من خلال هذه القسمة تمَّ تفصيل "اللغة" كما لو كانت نصاً في ذاتها ـ بين دفتي كتاب ـ ولهذا قام العالم الخليل بن أحمد الفراهيدي ـ المتوفى سنة 170 ه ـ من خلال منهجه الرائع في كتابه "العين" ـ حصر حروف المعجم كلها في الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي، وهو غاية ما ينتهي إليه التركيب في اللسان العربي ـ فهذا غاية ما ينطق به اللسان العربي من الألفاظ.

 

 ويعلَّل أيضاً (ابن جني) "إن علة ذلك ما عرض للغات الحاضرة وأهل المدر من الاختلال والفساد والخلل، ولو علم أهل مدينة باقون على فصاحتهم، لم يعترض شيء من الفساد للغتهم، لوجب الأخذ منهم كما يؤخذ من أهل الوبر" فالأمر الذي نتج عن ذلك هو الجمود في اللغة وعدم مواكبة التطور ومواجهة الواقع المتغيِّر، ومع كل هذا الجهد الكبير والرائع الذي تمت به جمع اللغة العربية من قبائل البادية، كما عبَّر ـ محمد عابد الجابري ـ في كتابه ـ بنية العقل العربي ـ "بأن النتيجة التي حصلت هي أن اللغة العربية التي جمعوها من الأعراب جاءت فقيرة جداً بالمقارنة مع النص القرآني

 ويضيف: فكانت اللغة العربية لغة المعاجم والنحو، أقل اتساعاً وأقل مرونة من القرآن، وبالتالي أقل تحضراً منه، وهذا ما جعل القرآن يبقى دائماً أوسع وأخصب.

 

فكثير من الكلمات الواردة في هذا "الكتاب المبين" لا نجد لها معاني مضبوطة في هذه اللغة التي جمعت من الأعراب". من هنا نفهم الاحتضان المتبادل بين الدراسات اللغوية وبين علم الفقه والأصول والتفسير والتأويل، لذلك لا نستبعد الآلة اللغوية، ولكنها قاصرة عن تمامية المعنى في النص المتعال والذي هو القرآن الكريم، ومن هنا نرى العالم المعروف ـ مقاتل بن سليمان ـ 150ه ـ ألَّف كتابه الرائع " الأشباه والنظائر في القرآن الكريم" وهو دراسة توظيفية في دلالة الألفاظ والجمل في القرآن الكريم" ثم جاء "الفرَّاء" ـ المتوفى سنة 207ه ـ ليتوسع في دراسة الظاهرة نفسها في كتابه "معاني القرآن" وأيضاً ـ أبو عبيدة معمر بن المثنى ـ المتوفى سنة 215ه ـ ليقدم في كتابه "إعجاز القرآن" وهو دراسة مفصلة في فن التعامل اللفظي مع النص القرآني.

 

 ونعيد السؤال لربما بصياغة أخرى: هل تستطيع هذه الآلة اللغوية بمفردها أن تحيط بالنص من جميع أطرافه وجهاته؟ فمهما أدركنا وسلمنا من إمكانيات الآلة اللغوية تبقى قاصرة عن إدراك تمامية المعنى!.