من ابرز نتائج استمرار الفراغ، إضافة إلى المزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية، تعزيز الإدارة الدولية للخدمات الأساسية المتهاوية، بموازاة انتقال الصراع إلى كيفية إيجاد البديل للحريري وتركيبته الحكومية، ومدى استعداد الفريق الرئاسي لتسهيل كل ذلك. ومن نتائجه بالطبع المزيد من العزلة للفريق الرئاسي على الصعيد الخارجي، ومزيد من الانكشاف لدور حزب الله الذي ما زال يتلطى بغطاء الرئاسة والتيار الوطني الحر، الذي سيزداد هشاشة الأكثر خطورة سيكون مضاعفة أفرقاء إلى حلول مناطقية للتردي الحياتي والاجتماعي غير المسبوق، في شكل يعزز النزعة الانقسامية عند البعض في ظل الفوضى الكبرى.

 

لعل الاخطرعلى الرغم من الإعلان الدولي والعربي عن خيبة عارمة من فشل مراسيم الحكومة، والصعود الصاعق للدولار في سوق القطع الأسود، واستمرار الاحتجاجات التي لامست الاشتباك الأهلي المسلح الذي حذر منه قائد الجيش اللبناني العماد جوزيف عون، مراوحة الموقف العوني وفريق بعبدا والتيار الوطني الحر، عند جملة من الجمود السياسي الخطير، كمثل القرارات الخاطئة ورمي ما حصل على عوامل خارجية من دون التنبّه إلى أن مسار الاستفزازات من شأنه أن يعكر صفو الاستقرار الأهلي بالبلد . 

 

والسؤال ماذا بعد اعتذار الرئيس سعد الحريري عن تأليف حكومة العهد الأخيرة؟.

 

المشهد السياسي اليوم في لبنان يبدو مشابهاً لمشهد ما قبل التوصل إلى اتفاق الطائف ،حينها رئيس الحكومة العسكرية التي استقال نصفها المسلم، العماد ميشال عون، وقف ضد ذهاب النواب إلى الطائف وقرر خارج الدستور حل المجلس النيابي، ثم رفض الاعتراف بالطائف. أما مطلبه،عملياً أن يكون هو رئيس الجمهورية. وهو اتكل على فرنسا والفاتيكان وصدام حسين في رفض كل الضغوط والمحفزات التي قدمتها له اللجنة الثلاثية العربية يومها، ومعها الضغوط الأميركية والعربية، لكنه لم يحسب لتبدل اللعبة بعد غزو صدام للكويت وحرب عاصفة الصحراء، ولم يبدل موقفه الرافض حتى بعد أن غادر القصر الجمهوري بالقوة، يوم 13 تشرين الأول 1990، لاجئاً إلى السفارة الفرنسية، وطالباً بصوته من ضباطه وجنوده الالتحاق بقيادة العماد إميل لحود.

 

لم يكن اعلان الاعتذار من على بوابة القصر الجمهوري في بعبدا مفاجئا لكثيرين، من الذين تابعوا مسيرة الاشهر التسعة الماضية وما سبقها، وقد تجلت العراقيل منذ اللحظة الاولى لتكليف الحريري بغالبية نيابية، بل قبل ذلك، حيث افصح الرئيس عون عن عدم رغبته بأن يكون احد شريكي التأليف، ان اعتذار الحريري أثبت بما لا يدع مجالاً للشك ان بعبدا لا تريد الحل، بل هي لا تريد الحريري نفسه.

 

 

إقرأ أيضا : المنظومة الحاكمة ومستقبل لبنان

 

 

مسيرة التأليف المفترض واكبها حراك خارجي، دولي واقليمي وعربي، غير مسبوق على هذا القدر،وبذل مساع جدية وكثيفة بذلت على هذا المستوى، وبالتالي فاءن هذا الزخم الذي انطلق بحيوية لافتة، فشل في تحقيق الاختراق المطلوب لولادة حكومة الانقاذ رغم التهويل بفرض عقوبات على المعرقلين.

 

المشهد الداخلي ينطق بحقيقة خلاصتها ان الرئيس عون لم يسقط من ذهنه خلافه مع الحريري، وان اقتضى الامر المضي في حكومة تصريف الاعمال، التي اثبتت فشلا ذريعا في ادارة شؤون البلد وعلى كل المستويات، الاقتصادية والمالية والمعيشية و الصحية وغير ذلك، وقد بادر رئيس المجلس النيابي نبيه بري الى اطلاق مبادرته الانقاذية التي وكما المبادرة الفرنسية لم تقابل باءية تسهيلات تفضي الى فتح ثغرة في الجدار الحكومي، بل على العكس من ذلك، فإن منسوب التصلب زاد بدرجات عما كان عليه في اوقات سابقة، بالتقاطع مع ارتفاع سعر الدولا الى حد يستحيل معه توفير لقمة الخبز او الحليب  للاطفال الرضع او الدواء للذين يعانون الامرين.

 

بقي الرئيس عون متمسكا بشروطه وصيغته، الامر الذي فتح الباب امام الحريري للقول بأنه بات قريبا من قرار الاعتذار، وهو حديث لم يكن وليد الساعة، فمنذ اللحظة الاولى لبداية التكليف، برز عدم التوافق بين شريكي التأليف مع دخول جبران باسيل مادة تحريضية عبثية.

 

خلص العد العكسي للحسم الحكومي الى ما خلص اليه، وقد تصدرت الاحتجاجات الشعبية الواجهة، بقطع الطرقات، ما ادى الى تدخل القوى العسكرية التي قوبلت بمواجهات ورشق بالحجارة، ما ادى الى سقوط جرحى من الجيش بالتقاطع مع ارتفاع مذهل ومشبوه لسعر صرف الدولار الاميركي،والجميع يتطلع الى الاتي من التطورات، وفي مقدمها بدء الاستشارات النيابية الملزمة، حيث يفترض التوافق على رئيس حكومة يحظى بأصوات غالبية نيابية، مشفوعا بغطاء الطائفة السنية.

 

الرئيس المعتذر لم يفتح الباب امام تسهيل مهمة العونية  ، وقد اكد في طلته التلفزيونية انه لن يسمي احدا لرئاسة الحكومة، لكنه لن يعطل مسألة التسمية، متهما عون بأنه يريد حكومة عون، وهو اي رئيس الجمهورية لن يعطي الثقة لغيرها.

 

العالم مستنفر من حولنا، وقد اكد وزير خارجية فرنسا جان ايف لودريان ان لبنان سيشهد تدميرا ذاتيا والطبقة السياسية تتحمل المسؤولية، وذلك بالتقاطع مع ما اعلنه الامين العام لجامعة الدول العربية، احمد ابو الغيط محذرا من تبعات اعتذار الحريري التي قد تكون لها عواقب وخيمة على لبنان، بدأت بالظهور مع الارتفاع المذهل لسعر صرف الدولار واقفال المؤسسات والنزول الى الشوارع والساحات في مختلف المناطق، فماذا بعد…؟!