في السياسة كسبت الطوائف معركة الإمساك بالدولة المركزية ونجحت مليشيات الطوائف بعد الطائف بتحرير الدولة من غير الميليشاويين وهذا ضرب من ضروب القائلين بضرورة دخول المليشيات الى الدولة الأمر الذي أوصلنا الى ما نحن عليه من إنهزام كامل للسلطة العامة على حساب السلطويات الخاصة وهذا ما جعل من الدولة محط إدانة من قبل الحاكمين الذي فصلوا ما بينهم وبين الدولة ساعة وهنها وضعفها لذا نراهم يتنصلون من الدولة ويحملونها أسباب الإنهيار وكأنها جهاز خاص يعمل وبطريقة ذاتية بحيث يدين الرئيس قبل المرؤوس سياسات الدولة في كل القطاعات ويرميها بأحجار الإدانة لتخلفها عن جلب السعادة للبنانيين .

 

تبيّن مدى مكر الطوائف للدولة التي حكموها و أداروها وحلبوها وجعلوها كبش فداء لهم فورطوها بجرائمهم وحمّلوها جثث الوطن نعشاً تلو نعش  واتهموها بفعل الجريمة وبأفعال أخرى أرهقت البلاد وجعلتها بلاداً مريضة بداء عضال لا إمكانية للشفاء منه طالما أن المرض من صنع أبالسة ولا من قديس بقادر على طبابة ما أبلسته السياسة .

 

قالوا على الدولة أن تتحرّك وعليها واجب أن تعمل وهي المسؤولة عن ايجاد الحلول اللازمة للأزمات المستعصية ولكن من هي الدولة ؟ اذا كان القائلون هم الرؤوساء والنواب والوزراء والمدراء وأحزاب الطوائف.  لذا يشتم السياسيون الدولة ويسب الشعب الدولة والكل يلقي على الدولة ككيان مسؤولية السرقة والهدر والفلتان بطريقة تثير فيك ما تبقى من عجب في بلد العجائب . اذا كانت السلطة تحمّل الدولة مسؤولية الخراب وتطالبها بإتخاذ ما يلزم لعودة الأمن الغذائي الى سيرته الأولى وإذا كان الشعب هو أيضاً يهتف ضدّ الدولة ويهتف مع الطوائف التي تتحكم بالدولة وتسيطر عليها باسم الطائف الذي أباح لها الدولة ومؤسساتها .

 

 

إقرأ أيضا: مفاوضات التنابل على بركة الولايات المتحدة الأميركية

 

 

تنتكس الدولة عند كل مفرق صعب ومزلق خطر ولا تنكس الطائفة أعلامها تحت أيّ شيء مداهم لها مهما كان خطراً  فهي الرابحة والدولة هي الخاسرة لأن اللبنانيين يدينون بولائهم للطائفة لا للدولة وهذا ما يجعل من الطائفة أكثر قوّة من الدولة كونها تتمتع بقوّة المنتمين إليها وبشرعية عالية غير مُحصلة في السلطة المركزية إلا بالقدر الذي تمنحه الطوائف لها لهذا تسقط السلطة كلما انخفض منسوب تأييد الطوائف الأساسية لها وتفقد شرعيتها وتتحوّل الى أرملة في سوق المتعة.

 

 

حتى في الحرب الأهلية سقطت الدولة ولم تسقط الطوائف وفي حروب أخرى فازت الطوائف ولم تربح الدولة وفي المشهد الحالي تعلن الدولة إفلاسها وعدم قدرتها على مواجهة الأزمة الإقتصادية وتتخذ تدابير تحدّ وتشح من حفظ حقوق القطاع العام وتعد بسياسة صوم دائمة ولسنوات عجاف في حين أن الطوائف لم تنع نفسها ولم تشتك وهي تملك رقبة رأسمال وتملك سيولة غير عادية ولها أرصدة أكبر بكثير من ميزانية الدولة وتعيش الطوائف بنعيم لا مثيل لها رغم فُحش الأسعار وتحكّم تاجر الطوائف بالسلع وبالأسعار دون أيّ رقابة فعلية بل ويتغذّى هذا الحوت على أسماك طائفية تطعمه وهي مرتاحة لأكلها طالما أن الآكل والمأكول من عجينة الطائفة .

 

 

في الوقت الذي تفقد فيه الدولة سيطرتها على الإقتصاد وتعصف بلبنان رياح الفقر الشبيهة بأي دولة فقيرة من أفقر بلدان العالم المتخلف تسود الطوائف حالات من البذخ والترف الذي قلّ رؤيته في الظروف العادية وشهر رمضان خير شاهد على غرابة مستغربة في دولة جائعة وشعب شبعان حدّ التُخمة .