لا يُجازف رئيس الجمهورية بالبلد وبالمواطنين فحسْب، عندما يدفعهم بعناده وتسلُّطه نحو نار جهنم قولاً وفعلاً، بل يعمُد للإستخفاف بعقولهم كما جاء في خطابه بالأمس، عندما وضع أزمة تأليف الحكومة الجديدة عند الرئيس المُكلّف سعد الحريري، داعياً إياه إلى تأليفها أو التّنحي، وكأنّ إصدار مرسوم الحكومة الموعودة منذ أكثر من خمسة أشهر، لا ينتظر سوى توقيع الحريري، أو كأنّ الأمر يتوقف على زيارة، مجرد زيارة، للرئيس الحريري إلى قصر الرئاسة الأولى، ومن ثمّ تأليف الحكومة الجديدة "معي"، أي وِفقَ إرادتي ورغبتي! وهذا منتهى التواضع وتحمُّل المسؤولية من جانب رئيس الجمهورية، ومن يستمع إلى ذلك بالأمس يُخيّل إليه أنّ العلّة في الزيارة، مع أنّ الزيارات المكّوكية للحريري إلى قصر بعبدا بلغت حتى الآن ستّة عشر زيارة منذ التّكليف قبل أكثر من خمسة أشهر، دون أي جدوى، والمضحك المبكي أنّ رئيس الجمهورية يُهيب بالآخرين أن يتحمّلوا مسؤوليّاتهم، في حين هو يتقاعس عنها عمداً، مع أنّه صاحب الكلمة الفصل والأخيرة، وأمام "عناد" الحريري بعدم التأليف، والإكتفاء بوضع التكليف في جيبه، وهو يسافر من بلدٍ إلى بلد، لدفع الملل عنه واستجداء الحلول الخارجية، يقترح رئيس الجمهورية حلاًّ شافياً، وهو تنحّي الرئيس المكلف، حسناً، إذا كان التّنحي هو الشفاء العاجل، فلِمَ لا يُقدم رئيس الجمهورية على إنهاء ولايته فوراً، وتكليف قائد الجيش تأليف حكومة عسكرية انتقالية من أربعة وزراء، كما فعل سلفَهُ الرئيس السابق أمين الجميل عام ١٩٨٨، عندما عيّنه رئيساً لحكومة عسكرية أسكنَتهُ قصر بعبدا، قبل فراره ولجوئه إلى فرنسا.

 

إقرأ أيضا : هل يقوم الجيش بإنقاذ البلد من الإنهيار والزوال؟ أم ما العمل؟.

 

 

مثلُ رئيس الجمهورية مع الرئيس سعد الحريري هذه الأيام، كمثل ذاك الرجل البخيل، الذي تحدث عنه الجاحظ فقال: كان عندنا رجلٌ مُقلّ(فقير)، وكان له أخٌ مُكثر(غني)، وكان مُفرط البخل، شديد النّفج، فقال له يوماً أخوه: ويحك! أنا فقيرٌ مُعيل، وأنت غنيٌّ خفيف الظهر، لا تُعينني على الزمان، ولا تُواسيني ببعض مالك، ولا تتفرّج لي عن شيء، والله ما رأيتُ قطّ، ولا سمعتُ، بأبخل منك، قال: ويحك! ليس الأمر كما تظُن، ولا المالُ كما تحسب، ولا أنا كما تقول في البُخل ولا في اليُسر، والله لو ملكتُ ألف ألف درهم، لوهبْتُ لكَ منها خمس مائة ألف درهم، يا هؤلاء.. فرَجلٌ يهِبُ ضربةً واحدة خمس مائة ألف درهم، يُقالُ له بخيل؟