هل يتلقف المعنيون بالتشكيل وقتا مستقطعا ما ينتجون خلاله حكومة تدير الانهيار وتحاول ايقافه ام يواصلون التمسك بمنطق علي وعلى اعدائي فينهار الهيكل على رؤوسنا جميعا .
 

لبنان الذي يتخبط بأزماته السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية يجد نفسه يتيما، مجرداً من آمال حقيقية ممكن أن تنجزها له هذه القمة، وفي حالة انتظار لما ستؤول اليه نتائج الانتخايات الأميركية، التي لن تتبلور مفاعيلها قبل الأشهر القليلة المقبلة.

 

 

ولا مؤشرات توحي بأن الجمود الذي يشهده الملف الحكومي منذ عيد الميلاد سينتهي قريبا مع عودة رئيس الحكومة المكلف من اجازته العائلية.فما انتهت اليه المفاوضات والمشاورات بين بعبدا وبيت الوسط لم يخرقه جديد بذكر، لا بل بالعكس تؤكد المعلومات ان الكباش يستعر بين رئيس الجمهورية ميشال وعون ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري في ظل تمسك كل طرف بمواقفه وتعويله على ليونة تطرأ لدى الفريق الآخر.

 

يرزحُ البلد تحت ثقل الأزمات وانفلات الوضع الأمني حيث يكاد لا يمر يوم دون تسجيل حادث سرقة او خطف، فيما لا بشائر عن انفراجٍ حكومي في الافق.

 

 

من الواضح تماماً ان هناك مؤشّراتٍ كثيرة تؤكد أنّ باريس فقدت الحماسة على الانخراط في الملف الحكومي اللبناني، وإن كانت لا تزال، ظاهرياً على الأقل، متمسّكة بمبادرتها الشهيرة .

 

قد يكون تأجيل زيارة وفد مجلس الشيوخ الفرنسي إلى بيروت، والتي كانت مقرَّرة هذا الأسبوع، أحد المؤشرات الرئيسية التي تدلّ على تغيّرٍ في المزاج الفرنسيّ العام في مقاربة الأزمة الحكوميّة اللبنانيّة، خصوصاً أنّ السبب الممنوح للتأجيل، وهو الظروف الوبائية والصحية النادمة عن تفشيّ فيروس كورونا، لم يبدُ شديد الإقناع، باعتبار أنّ ماكرون نفسه سبق أن حلّ ضيفاً على اللبنانيين في عزّ انتشار الوباء، مكتفياً بأخذ الإجراءات الوقائيّة اللازمة.

 

 

لا شكّ أنّ الأمر أعمق من ذلك ويعود الأمر، بحسب ما يؤكّد العارفون والمتابعون، إلى يأس واستسلام الفرنسيّين من القادة اللبنانيّين، بعدما وفّروا لهم كلّ التسهيلات الممكنة، وضغطوا عليهم بكلّ الوسائل المُتاحة، ترغيباً وترهيباً، حتى أن الرئيس الفرنسيّ جاء شخصياً إلى لبنان، مرتين في فترةة زمنيّة محدودةٍ، في سابقة من نوعها، وعقد اجتماعات ماراثونيّة معهم، ليصطدم بواقع أن من تجاوبوا مع مبادرته، فعلوا ذلك شكليّا لكنّهم أرادواتوظيفها واستثمارها بما يخدم مصلحتهم الشخصية، بدليل التعقيدات التي لا تزال محيطة بالملفّ الحكومي.

 

 

قد يكون السبب المُعلَن للانكفاء الفرنسي، أو اعتماد باريس لما يمكن تسميته بالتباعد السياسي عن لبنان يكمن في الظروف الصحية في لبنان وفرنسا على حدّ سواء، حيث لا يزال ملف كورونا يطغى على كل ما عداه ويضيف البعض الآخر إلى ذلك سبباً آخر يتمثّل في النقمة الشعبية التي ولّدها اهتمام ماكرون المُبالَغ به بلبنان.

 

 

استناداً إلى ما سبق، قد يكون صحيحاً أن الملف اللبناني لم يعد أولوية للفرنسييين، لكنّ الأصحّ أنّهم تعبوا وفقدوا قدرتهم على التحمل، بعدما لمسوا، بالعين المجردة، تعنت اللبنانيّين وعنادهم، وقبل ذلك مكابرتهم ورفضهم الاعتراف بحقيقة أزماتهم، ولو أصرّوا على الضحك على الذقون بتأكيدهم، ليلا نهاراً، التمسّك بمبادرة تنصّ عملياً على نقيض ممارساتهم بالمُطلَق .

 

 

إقرأ أيضا : قلق وإرباك على مستوى الاقليم ولبنان أسير التوتر الاميركي الايراني

 

فمع توقّفِ عجلة التّأليف الحكومية، وتواتر المعطيات حول المتغيرات الاقليمية التي تفرض نفسها على الساحة اللبنانية في هذه المرحلة، وعدم وجود نيّة دولية بحكومة في لبنان يقف وراء عدم تذليل العقبات التي تعتبر طبيعية في اي تشكيلة حكومية من سعي الاطراف السياسية الى تحصيل مكاسب وحصص أكبر، ولا قرار خارجي بشأن انجاز التأليف حتى الساعة، مشيراً الى ان البعض يضع العرقلة في الملعب الايراني بينما يعتبر اخرون ان الاميركيين لا يريدون حكومة لبنانية في هذه المرحلة. 

 

 

وهذا يؤشر إلى أن اللغة التصعيدية الثلاثية الاتجاهات التي اعتمدتها طهران  في رفع نسبة التخصيب إلى 20%، والحديث عن منظومة الصواريخ في غزة وفي جنوب لبنان، واستعراض الزوارق البحرية كقوة دفاعية في مواجهة الغواصات وحاملات الطائرات الأميركية - ليس لها علاقة بالرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب، إنما تتعلّق بفشل المفاوضات السرية لاستطلاع المواقف مع فريق الرئيس المنتخب جو بايدن.

 

 

لقد حدّد خبراء الجناح الديمقراطي أولوية ترتيب العلاقة بين البيت الأبيض وكل من أوروبا والصين وروسيا، وأولوية حلّ الأزمة اليمنية في مقدمة، اهتمامات الرئيس بايدن. وذلك يعني سقوط الأوراق التي تعتمدها إيران في مفاوضاتها المقبلة (العراق، سوريا، لبنان). 

 

 

فالمسألة اليمنية ترتبط بالنسبة للإدارة الأميركية بضمان الاستقرار الاقتصادي والسيطرة على أسعار النفط، وسلوك الحوثيين. وما زُرع من ألغام بحرية في ممرات مضيق باب المندب، يشير إلى التأثير السلبي للأزمة اليمنية على الاقتصاد العالمي واستقراره، بحيث أن حل الأزمة اليمنية بات ممكناً على قاعدة اتفاق الرياض بعد نجاح المصالحة الخليجية في قمة العلا، وذلك على عكس الأزمات العميقة المرتبطة بالعراق وسوريا ولبنان، والتي تقتضي العمل على نطاق واسع لناحية التدخل الإيراني فيها.

 

 

وتبعا لكل ما سبق، يبدو واضحا ان تحقيق خرق حكومي بات اصعب من اي وقت مضى، خاصة في ظل التعقيدات الاقليمية والدولية التي بلغت مستويات غير مسبوقة في الايام الماضية.. 

فهل يتلقف المعنيون بالتشكيل وقتا مستقطعا ما ينتجون خلاله حكومة تدير الانهيار وتحاول ايقافه ام يواصلون التمسك بمنطق علي وعلى اعدائي فينهار الهيكل على رؤوسنا جميعا .