يتساءل بعض المتابعين ماذا تستفيد طهران ومعها الحزب من تأخير الحكومة إلى ما بعد دخول بايدن إلى البيت الأبيض، وإذا كانا يعتبران تسهيل قيام الحكومة ورقة مقايضة مع واشنطن على أمر آخر في أجندة التفاوض الأميركي الإيراني.
 

استقبل اللبنانيون سنتهم الجديدة بالمراوحة ذاتها التي تغلب على جهود تأليف الحكومة برئاسة سعد الحريري، بعد 5 أشهر و21 يوماً على الفراغ الحكومي منذ استقالة الرئيس حسان دياب في 10 آب الماضي، الذي تتولّى حكومته تصريف الأعمال منذ حينها، في وقت تحتاج البلاد إلى تدابير طارئة وقرارات سريعة ملحّة تضعه على طريق طويل للخروج من الأزمة المالية الاقتصادية غير المسبوقة التي تعصف به.

 

 

فمعظم التوقعات لدى أقطاب السياسة اللبنانية لا تفترض تسهيلاً لقيام الحكومة الجديدة قريباً إلا إذا حصل تطور مفاجئ من الخارج يقضي بالإفراج عنها، كما يقول أحد رؤساء الحكومات السابقين. فالبلد مخطوف من جانب ايران من خلال حزب الله ومرهون لحسابات خارجية ورئيس الجمهورية ميشال عون منشرح لأنه يتصرف على أنه حاكم البلد الأوحد في ظل حكومة مستقيلة، خلافاً للدستور الذي ينيط صلاحيات السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء. فعون يعطي التعليمات ويتدخل في كل شاردة وواردة، من دون أي تردد، مستغلاً عدم استعداد رئيس حكومة تصريف الأعمال لممارسة صلاحيات لا تعود إلى الحكومة التي ينص الدستور على أن تصرّف الأعمال على نطاق ضيق.

 

 

تفتقد الساحة الداخلية أي حركة أو اتصالات وأي مبادرة لكسر الجمود القائم منذ شلت الحركة عقب التحرك الذي قام به البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي وهو التحرك الذي أخفق آنذاك في استيلاد الحكومة الجديدة تحت وطأة الخلافات الواسعة التي برزت بين رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري فيما لا يبدو بعد أي أفق لتحركات جديدة من شأنها أن تعيد إحياء المشاورات والاجتماعات بين عون والحريري. في الوقت الذي يجب أن لا يبقى على هذا الجمود وكأن حالة البلاد تسمح بترف عض الأصابع إلى أمد غير محدد ومفتوح في حين تتهدد البلاد فعلاً أخطار مصيرية داخلياً وخارجياً لا يبدو أن كثيرين يدركون طبيعتها أو يقدرون مدى أخطارها. من أجل حسابات ومصالح آنية أو مستقبلية، وتحويل لبنان إلى حجر من أحجار شطرنج الشرق الأوسط، فيما لبنان يسير سريعاً نحو الانهيار والإفلاس. 

 

إقرأ أيضا : الدستور واضح وكفى مناورات

 

إلى جانب تفاقم الازمات الداخلية بدأت التطورات الإقليمية في المنطقة تشكل عاملاً طارئاً لا بد للبنان أن يتحسب لها بدقة لأن أي تطور سلبي قد ينشأ في المنطقة سيرتد على لبنان فوراً لكونه احدى ساحات الصراع للنفوذ والقوى الإقليمية والدولية المتجاذبة. ولذا فإن لبنان سيجد نفسه معنياً مباشرة بما بدأ يرتسم من اخطار بين ايران والولايات المتحدة عبر التحركات العسكرية التي سجلت في الأيام الأخيرة .

 

 

لم يتخلَّ عون عن هذا الهدف، على الرغم من ضغوط البطريرك الراعي عليه كي يسهّل إنجاز الحكومة التي بات تأخيرها مساهماً في التدهور الكارثي للوضع الاقتصادي، لأن التعويل عليها كي تنفذ شروط المجتمع الدولي الإصلاحية، كمقدمة ضرورية من أجل مساعدة لبنان مالياً. وهو عاد إلى طرح مطلب الثلث المعطل بعدما أبلغ الراعي بأنه لا يصرّ على ذلك عن طريق تجديد المطالبة برفع عدد وزراء الحكومة من 18 الذي كان سلّم به قبل 3 أسابيع، إلى 20 وزيراً. 

 

 

في هذا السياق يتساءل بعض المتابعين ماذا تستفيد طهران ومعها الحزب من تأخير الحكومة إلى ما بعد دخول بايدن إلى البيت الأبيض، وإذا كانا يعتبران تسهيل قيام الحكومة ورقة مقايضة مع واشنطن على أمر آخر في أجندة التفاوض الأميركي الإيراني.

 

 

كما يعتبرون ان ربط طهران والحزب بين تشكيل الحكومة اللبنانية وتسلّم بايدن مهماته، يستدلّون على صحة تقديرهم من التطورات التي حصلت في 2 يناير، حين أعلن قائد القوات الجوية في الحرس الثوري الإيراني أمير علي حاجي زاده أن لا فرق لدينا في أي حرب محتملة بين القواعد الأميركية والدول المحتضنة لها. وأضاف كل الصواريخ الموجودة في غزة ولبنان تمت بدعم إيراني. وأكد أنها الخط الأمامي لمواجهة إسرائيل،والمفاوضات حول قدراتنا الصاروخية خط أحمر ولم يجبرنا أحد على تحديد مدى 2000 كيلومتر لصواريخنا.

 


ففي رأي هؤلاء أن الحرس الثوري الذي يأتمر حزب الله بتعليمات قيادته، يعتبر لبنان ورقة في يده، على الرغم من أن هذا الموقف الإيراني وغيره يأتي من خلال الأجواء الإعلامية المحمومة لاحتمالات توتر عسكري بين الولايات المتحدة وإيران، لا سيما مع الذكرى الأولى لاغتيال قائد قوة القدس قاسم سليماني في 3 يناير السنة الماضية، فإنه يؤشر إلى درجة تمسّك طهران بورقة لبنان في مواجهة احتمال التفاوض أو احتمال المواجهة.

 

 

والى جانب ما تقدم يمكن القول إنه في ظل المعاناة والظروف الصعبة التي عاشها اللبنانيون، نشرت مجلة فورين بوليسي الأميركية مقالاً أعدّه روبرت مالي، الرئيس والمدير التنفيذي لمجموعة الأزمات الدولية والذي عمل كمساعد خاص للشرق الأوسط في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما، حذّر فيه من 10 صراعات محتملة في العام 2021، تتفاقم مع  استمرار تفشي كوفيد 19، والأزمات الإقتصاديّة وانتقال السلطة من الرئيس دونالد ترامب إلى الرئيس المنتخب جو بايدن، ولفت إلى وجود تهديدات منبثقة عن الحروب وتغيّر المناخ.  واعتبر أنّ لبنان والسودان وفنزويلا، من بين الدول التي يمكن أن تزيد فيها نسبة العاطلين عن العمل وتراجع الدخل ومواجهة الحكومات صعوبات.