لا بد من إدخال المنهجية الحديثة على قواعد استنباط وفهم مقاصد الشريعة وفتح باب الاجتهاد
 

حماية الأطفال من التزويج مفهوم يسلط الضوء على عادات سادت في أزمنة ماضية، وتوارثتها بعض المجموعات في شعوب كانت تعتبر مفهوم الطفلة أو الطفل عينا يساوي مالا إذا كان من الأمَة، وملكا وولاية إن كان من الحُرّة، وفي كلتا الحالتين لم يظهر مفهوم الطفل ككائن حي وحر، بل هو مسلوب الحرية بالقوة بل ومعتدى على حريته بالفعل، من خلال الأثر الموجود في عادات الشعوب.
إن للمناخ والبيئة والوضع الثقافي والاجتماعي اثر في عادات الشعوب المتوارثة .
ففي زمن واحد قد تجد عادات عند طبقة اجتماعية معينة وتنعدم عند طبقة اجتماعية أخرى في نفس المجتمع وفي نفس الزمن، ومع ارتفاع الوعي الثقافي والاجتماعي لدى أي شعب تبرز إلى الضوء بعض الممارسات والعادات التي يرى البعض فيها ممارسة خاطئة، وأنا من القائلين أن للزمان حكمه وأثره .
والسؤال الجوهري هو : هل للدين علاقة في إمضاء عادة أو نفي أخرى؟ وإذا أمضاها في زمن ما هل تصبح ثابتة وتكون ناجزة لكل زمان ومكان؟
وإذا ما عدنا إلى صورة الزيجات من فتيات في سن الطفولة إلى أزواج بعمر الأب وفي بعض الأحيان بعمر الجدّ، وهذه عادات لا تزال موجودة في دول عربية وإسلامية كاليمن والمغرب ومصر وتركيا وغيرها، الامر الذي أدى ببعض المنظمات الدولية والاقليمية إلى رفع الصوت عاليا للتنديد بهذه الظاهرة والتحذير من مخاطرها وآثارها السلبية وإظهارها بصورتها الحقيقة السيئة والقبيحة.
فالقبح والبشاعة قد لا تراها أعين لا ترى من القبح إلا ما قبحته الشريعة ومن البشاعة إلا ما وصفه الشرع بذلك وهنا لا بد من الاشارة إلى تنازع العادات بين الشرعي والمدني.
ولا يخفى أن هذه الظاهرة لا تعبر عن مجرد عادات شرقية أو عربية بل قد يكون لها غطاء شرعي إسلامي يضفي عليها شرعية متوهمة، فالفتوى المشهورة عند الفقهاء تنص على أن للأب ولاية على ابنته القاصر فله أن يزوجها وليس لها أن تعترض وإنما تُستأذن البكر الراشدة في الزواج هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الفقهاء قد أجازوا الدخول على الزوجة الطفلة بمجرد بلوغها سنّ التاسعة ويستندون بذلك بسنّة النبي (ص) وفعله في زواجه عندما تزوج السيدة عائشة بنت أبي بكر وهي إبنه تسع سنوات، وأنا اعتقد ان هذا السند المزعوم لم يثبت عندنا، ومن العجيب أن نرى من الفقهاء المعاصرين من مذهبنا الإمامي الجعفري وحتى عند باقي مذاهب المسلمين من يتمسك به، والأغرب من ذلك تلك الفتوى التي لا أعرف كيف بقيت بين دفتي كتاب الفقه عند الامام الخميني الذي أجاز الزواج من الطفلة وأجاز الاستمتاع بالرضيعة دون الدخول، وعند السيد السيستاني المرجع المعاصر عدم جواز الدخول بها إلا بعد اكمال تسع سنوات وتلك الفتاوى مستهجنة في عصرنا وكأن الفقهاء لا يريدون أن يعبروا إلى زمانهم هم مصرون على البقاء والمكوث في ثقافة القرن الأول والرابع الهجري.
 أيها السادة لن أستفيض في ذكر الأصول التي يعتمد عليها من يريد ابقاء هذه العادات على قيد التنفيذ، حتى أن ما طرح في آخر تقرير للأزهر الشريف يقول عن هذا الموضوع: اتفق الفقهاء على أن الزواج مطلقًا من حيث مشروعيته جائز ومشروع وأن هناك فرق في التراث الإسلامي بين الزواج كعقد والزواج كدخول كما اتفقوا على جواز يقيد المباح للمصلحة المشروعة والراجحة.

إقرأ أيضا : جامعة الروح القدس تنظم ندوة عن حماية الأطفال من الزواج المبكر


أما زواج القاصر فيقول الأزهر أن الزواج شعيرة مباحة في الشرع تصبح مقننة حسب عادات وثقافات الناس بما لا يكون فيه ضرر لأي طرف من اطراف هذه المنظومة وعليه أن يدرك أن العقل والمنطق والموضوعية في البحث والدراسة في عصرنا الحاضر لا يجوز أن تحاكم التاريخ بطبيعيته وعقليته ، وبمعنى أوضح اذا أردنا أن نقيس فعلًا ما أو نحاكم تصرفًا فلا بد أن نقيسه بمقاييس عصره وبيئته لا بمقاييس عصرنا.
وبالإضافة إلى ما سبق ذكره: فإن المسلمين كان لهم فضل السبق الحضاري في تحديد سن الزواج قبل الغرب بأكثر من مائة وخمسين عاماَ تقريبا، منذ أن أقر الفقهاء في منتصف القرن التاسع عشر تحديد سن الزواج بخمسة عشر عام في المادة: (986) من مدونة الأحكام العدلية التي وضعها الفقهاء إبان الدولة العثمانية، في حين تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة في ديسمبر 1979 وأصبحت نافذة المفعول في ستمبر 1981م، وقد أقرت هذه اتفاقية القضاء على أشكال التمييز ضد المرأة في الفقرة: 2 من المادة(16) أن لا يكون لخطوبة الطفل أو زواجه أي أثر قانوني.
وهذا الرأي هو المعمول به في قانون الأحوال الشخصية المصري للمسلمين، فقد نصت المادة:(31) من القانون رقم(143) بشأن الأحوال المدنية والمضافة عام 2008 على الأتي: (لا يجوز توثيق عقد زواج لمن لم يبلغ من الجنسين ثماني عشرة سنة ميلادية كاملة ويعاقب تأديبياَ كل من وثق زواجاَ بالمخالفة لأحكام هذه المادة).
هذا القول من الأزهر وسواه من مفكرين وفقهاء متنورين يفتح الباب أمام الاجتهادات التي اضطرتنا نحن المسلمين على فتح بابها ليس إيمانا منا بإصلاح المنهج مع الاسف في فهم الدين والتراث إنما مرغمين أمام جمهور الدول والمجتمعات التي جعلت منها العولمة مفتوحة أمام الرأي العالم ولأن القانون له روحه الطبيعية المؤثرة، فكان لا بد للقوانين من أن تكون عامة وشاملة وتتأثر من الأفكار والآراء المطروحة، ولولا أن المسلمين يخافون من الاستسلام لعادات الغير ويعتبرون التشبث بعاداتهم وتقاليدهم ولو كانت بالية حفاظا على العقيدة والدين.
وهذا الموضوع يفتح الباب أمام الحديث عن الاجتهاد في كل المفاهيم التراثية القديمة لتنقيتها من شائبة الوجوب او الحرمة او الحلية ورفعها الى وصفها الطبيعي بالعادات والتقاليد التي تتغير بتغير الزمان .
وفي الختام لا بد من القول أننا بحاجة في مؤسساتنا الدينية إلى طرح إبيستيمولوجيا  معرفية جديدة والاستفادة من المنهج الذي عمل عليه  بعض فلاسفة الغرب في حركة التنوير في تأويل النص وفهمه في زمانه وفهم زمن المتلقي لأن القاريء هو المكمل للنص كما كان يقول هايدغر في قراءته لنصوص الفلاسفة من قبله.(نيتشيه)
ولا بد من إدخال المنهجية الحديثة على قواعد استنباط وفهم مقاصد الشريعة وفتح باب الاجتهاد لأن الاجتهاد على طريقة من يدعيه اليوم في حوزاتنا ومعاهدنا الدينية ليس إلا تثبيتا لآراء السلف، وليس من المحرم استعمال كل ادوات البحث والتحري الحديث.