بعد غيبة طويلة هطلت خلالها شلّالات القيل والقال بغزارة المطر في فحل الشتاء، استُقبل لبنان في قمة بحر الميت على الراحات والأهلاً وسهلاً، وحظي الرئيس ميشال عون بحفاوة واهتمام مميَّزين.
 

كذلك الأمر بالنسبة الى رئيس الحكومة سعد الحريري الذي توجه الى الرياض برفقة الملك سلمان بن عبد العزيز، ووفقاً لما سبق له أن أشار إليه في ردِّه على الذين يتغامزون عليه لجهة علاقته بالمملكة العربية السعودية ومليكها: عن قريب بتشوفوني بالسعوديَّة.
وقد شافوه في طائرة خادم الحرمين الشريفين، ثم في الرياض أبكر بكثير من الموعد الذي خطر في بال "المحبّين".
نتيجة اتصالات هاتفية جَرَت مع قريبين وبعيدين، ومع مشتركين في القمَّة ومتابعين لها، يمكن القول براحة تامة إن لبنان نال حصته مبحبحةً هذه المرَّة من الاهتمام العربي، وعبر الزعماء العرب، أكثر بكثير مما كان ينال ويصله في القمم السابقة.
حتى أن بعض المرافقين والقريبين لم يترددوا في التأكيد أن قمة عمّان تعمَّدت إظهار تضامنها الكامل مع بلد صغير، مبلبل، مستهدف، محاصر من الخارج وبعض الداخل بكل قواها، مع التشديد على توفير الدعم الذي يحتاج اليه سياسياً واقتصاديّاً.
ولحكومته، أيضاً، التي تواجه بدورها ضغوطاً مختلطة... يتقدَّم موكبها استحقاق الانتخابات النيابية، وحزام الخلافات المتشابكة على قانون الانتخاب الذي لا يزال حبراً على الهواء، وأقرب الى مواويل أبو الزلف والدلعونا التي لا تدوم حتى فجر اليوم التالي.
استوقفتني محطّات جيدة ولافتة تضمنها خطاب الرئيس عون في القمة العربية، مثلاً: سأدع وجداني يخاطب وجدانكم، لعلَّنا نستفيق من كابوس يقضُّ مضاجعنا جميعنا...
ثم التفاتته الناجحة والدقيقة المعاني الى البراكين العربيَّة التي تلتهم الناس والحجارة، قبل الأخضر واليابس حتى التراب: الجميع خاسرون في حروب ومجازر لا قرار لها. وجميعنا معنيّون بما حصل، ولا يمكن أن نبقى في انتظار حلول تأتينا من الخارج.
وكان من البديهي أن يمرَّ رئيس الجمهوريَّة بموضوع النازحين من فلسطينيّين وسوريين بصورة خاصة، وعدم اهتمام العرب والعالم بأسره بهذه المأساة المزدوجة الخطورة: إن لبنان يستضيف اليوم من سوريين وفلسطينيين ما يوازي نصف عدد السكان من اللبنانيين.
وفي هذه "النقطة" كما في سواها من المخاطر والمحاذير ما ليس في الامكان تبرئة الخارج منه. فهل تستجيب التدخّلات الخارجيَّة لنداء القمة العربيَّة، وتوقف تدخّلها المتواصل في شؤون بلدان المنطقة من كبيرها الى صغيرها؟
وهل يحظى لبنان بإجازة ربيعيَّة صيفيَّة، لأشهر، لفترة نقاهة مكتملة، من التدخّل الخارجي المباشر في موضوع الانتخابات النيابية على الأقل؟