ماذا يمكن أن تفيدنا قراءة حرفية للخطاب الافتتاحي للرئيس الأميركي دونالد ترامب؟
 
أولا في إحصاء كلمات أساسية حاضرة مما يسمح، لغويا وربما مفاهيميا وبالتأكيد سياسياً، بإحصاء الكلمات الغائبة، إذا جاز التعبير. وهي كلمات من المفترض أن نثير غيابها من داخل النص لا من خارجه.
- نبدأ من هذه الجملة في مقدمة خطابه:
"ننقل السلطة من واشنطن العاصمة ونعيدها للشعب الأميركي".
القسم الأول من الجملة طبيعي بسبب انتماء دونالد ترامب إلى تيار تاريخي متعدد الألوان في السياسة الأميركية يعتبر واشنطن العاصمة مركزا احتكاريا وفاسدا للسلطة، بمعزل عن مدى أحقِّية ترامب في أن يتبنّى هذا التيار. لكن ما معنى "نعيدها للشعب الأميركي"؟ هنا تظهر المبالغة بل الترويج الدعائي الذي غالبا ما نجده لدى السياسيين غير المنتخبين التسلطيين في العالم وهو اعتبار أنفسهم ممثلين لكل الشعب والأنكى اعتبار سلطتهم هي سلطة الشعب: إذن في هذه الجملة (نعيدها...) انحراف خطر في صياغة التعابير في لحظة كبيرة يُلقى فيها الخطاب. وكان بإمكانه استخدام تعابير أقل شمولية دون أن يخالف انتماءه للتيار النقدي لسلطة العاصمة. بدل ذلك اعتبر سلطته ممثلة متوحدة مع كل الشعب الأميركي. وهذا افتراض، سواء جاء من ملياردير أو من أي سياسي، من يميني أو يساري، هو طبعا ادعاء مثالي.
ولا يترك ترامب مجالا للشك وهو الرئيس الآتي من أغلبية مندوبين وليس من أغلبية عددية، بنزوعه هذا حين يكرر بعد قليل في خطابه الجملة التالية:
"20 يناير 2017، سيُذكر باعتباره اليوم الذي أصبح فيه الناس حكام هذه الأمة من جديد".
- ننتقل إلى جملة ثالثة تطرح موضوعا "بارانووِيّاً" آخر. الجملة هي التالية:
"جئتم بعشرات الملايين لتصبحوا جزءًا من حركة تاريخية لم يسبق لها مثيل في العالم".
دعكَ من ادعاء رقم حضور الحفل وهو ما كشفت الصحافة الأميركية في اليوم التالي هُزالَه،وأظهرت تفوق رقم حضور تنصيب باراك أوباما في 20 كانون الثاني 2009، فهو حين يقول "حركة تاريخية لا مثيل لها في العالم" فنحن هنا أمام عينة نعرفها جيدا في دول الاستبداد ومرّت في أوروبا لمرحلة وهي النظر إلى ما يقوم به "القائد البطل" ليس فقط مثلا لإرادة الشعب، كل الشعب، بل إن ما يحدث بقيادته هو حركة لم يسبق لها مثيل في العالم!.
- نصل إلى إحدى أهم الفقرات الواقعية الهامة جدا في الخطاب، الواقع الأميركي منظورا إليه من وجهة نظر محددة.
الفقرة هي حرفيا:
"ولكن بالنسبة للكثيرين من مواطنينا، الواقع الموجود مختلف: الأمهات والأطفال يحاصرهم الفقر في مدننا الداخلية، المصانع الصدئة منتشرة مثل شواهد القبور في أمتنا. نظام التعليم لديه الكثير من النقد، ولكن يترك طلابنا الشباب محرومين من المعرفة، والجريمة والعصابات والمخدرات التي سرقت الكثير من الأرواح، سلبت بلدنا الكثير من الإمكانات غير المستغلة في بلدنا.
هذه المجزرة الأميركية تتوقف هنا الآن".
هذه صورة "هوليودية" للواقع. ساهمت الثقافة الهوليودية الليبرالية النقدية في زرعها وجعلتها، بالاستناد إلى زخم وتشابك وتعقيد الحياة الأميركية، مكرسةً في الواقع الأميركي. إذن تأتي الاستعارة في هذا الخطاب لأبرز ممثل لليمين الأميركي حاليا من اليسار. ومن المفارقات أن أحد أبرز المساهمين المعاصرين بهذه الصورة عن أميركا، المخرج الأميركي مايكل مور، وأحد المنتبهين الأوائل لظاهرة ترامب المرشّح مع توقُّع فوزه، كان أمس يشارك في خطاب نضالي ضد ترامب في التجمع النسائي الحاشد الذي شهدته واشنطن.
صورة مؤثرة فعالة لا ينطبق عليها بالضرورة معيار المبالغة لأن أثرها لدى قطاع واسع من الشعب الأميركي حقيقي وإن كانت الصورة الأبوكالبتية فيها صالحة للنقاش. فالأستاذ ترامب، يتجاهل، أن كل الإحصائيات، وخصوصا التي ينشرها الأوروبيون بإعجاب وتحسُّر، تؤكد استمرار احتفاظ نظام التعليم الأميركي بقدرته الاستقطابية الأولى في العالم. جملة هي فعلا متسرعة بل متجنية حين يقول ترامب "يُترَك طلابنا محرومين من المعرفة" في بلد التعليم والاختراعات العلمية المتفوق الأول.
هناك في هذه الفقرة جملة أعجبتني من ناحية تركيبها الأدبي وهي حين يصف "المصانع الصدئة منتشرة مثل شواهد القبور" ويقصد المصانع المهجورة. ولمن شاهد كما شاهدتُ مباني مهجورة في بالتيمور ونيويورك ولوس أنجلس سوف "يصيبه" هذا التشبيه أدبيا مع أن ترامب يقصد مصانع في إيلينوي وميشيغان المتروكة في "العولمة" وأحد مظاهرها انتقال بعض الشركات الأميركية إلى الخارج...
نصل إلى الوطنية الخطرة التي يعبِّر عنها اليمين الترامبي في الخطاب:
إعلان نوع من "الحرب" التهويلية على العالم حين يقول:
"لعقود عدة، أثرينا الصناعة الأجنبية على حساب الصناعة الأميركية. دعمنا جيوش بلدان أخرى في وقت تضاءل جيشنا للغاية بشكل محزن. دافعنا عن حدود البلاد الأخرى بينما رفضنا الدفاع عن أنفسنا. أنفقنا تريليونات من الدولارات في الخارج في حين تردت حال البنية التحتية في أميركا التي هي في حالة سيئة ومضمحلة. جعلنا دولاً أخرى غنية في حين اختفت الثروة، والقوة، والثقة في بلدنا.
"يجب علينا حماية حدودنا من ويلات بلدان أخرى تصنع منتجاتنا، وتسرق شركاتنا، وتدمر وظائفنا. هذه الحماية ستؤدي إلى الازدهار الكبير والقوة".
هذه صورة عن أميركا وكأنها أصبحت تابعة للخارج. جوهر التوازن العالمي أن العالم بأكثر من معنى هو "التابع" لأميركا بل يمكننا وضع كلمة تابع من دون مزدوجين.
عالم خارجي في نظر ترامب يعتدي على أميركا ويسرقها ويصادر حدودها؟ هل هذه صورة حقيقية؟ طبعا لا لكنْ هذا ما تفعله "الوطنية" السطحية في حلّتها الأميركية الجديدة التي تذكّر بالحركات القومية اليمينية. بالنسبة له يقولها منتشياً في خطابه:
"عندما تفتح قلبك للوطنية، ليس هناك مجال للتحيز".
وطنية يفترضها جامعة لبلد تحت الهجوم الخارجي.
أخيراً العبارة البارزة التي ترد في خطابه والتي لا يمكن تجاهلها هي:
"سنوّحد العالم المتحضر ضد الإرهاب الإسلامي المتطرف، الذي سنزيله من على وجه الأرض"
إذا كان هذا التعهُّدُ صحيحا فقد يكون الشرق الأوسط مستفيدا، ونستفيد جميعنا، من هذه الموجة الترامبية عبر الهجوم غير العادي على التيارات الراديكالية التكفيرية التي أفسدت حياة المنطقة. فالرئيس ترامب مع كل تياره الانكفائي الخطِر كان جريئا ولأسبابه في كشف التغاضي الأميركي المزمن عن صعود "داعش". وسبق لي قبل أشهر أن كتبتُ أن كون دونالد ترامب مرشحا خطرا وعدوانيا على المستوى الشخصي واستفزازيا للنساء والأقليات لا يمنعه أن يكون محقا في موضوع "داعش".
ماذا لو فعلها وأثبت أن العالم يحتمل وجوها لعملة واحدة؟ أم أن مرشحا شديد الأذى لمسار التطور الديموقراطي في العالم يمكنه أن يفعل شيئا مفيدا حيال التطرف التكفيري.
هذا خطاب لا شك أنه يخاطب الخائفين والناقمين في أميركا ولديه جمهوره الذي أثبت نفسه في الانتخابات. لكن خطاب الخوف، الحقيقي أو المبالَغ به أو المفتعَل وجهته بسرعة، في اليوم التالي "ملايين نخبوية" من النساء وداعميهم انتشروا في ساحات مدن أميركية وخارجية كبرى ليقولوا إنهم سيواجهون خطابا هو بالنتيجة أصغر من أميركا ومتخلّف عنها وعن قيادتها للعالم أيا تكن سلبيات هذه القيادة. لكن هذا حديث مختلف وليس مع الترامبيين.