في 12 ربيع الأول، الذي يصادف في 11 ديسمبر، يحتفل ما يقرب من مليار ونصف المليار من المسلمين حول العالم، بميلاد محمد رسول الله.
 

وما بين أحداث الحرب الأهلية الدامية في بعض البلاد الإسلامية والمشكلات الاقتصادية الطاحنة في بلاد أخرى، لم يتوقف المسلمون عن عادتهم في استذكار واسترجاع بعض من أحداث السيرة النبوية التي ارتبطت بميلاد الرسول الكريم.

في هذا المقال، نتطرق لعدد من تلك الموروثات الثقافية القابعة في عقولنا وقلوبنا والمرتبطة بتلك الذكرى، مبينين ما تتضمنه من ضعف وتهافت واختلاف وتضارب.

تاريخ المولد النبوي

إن الاعتقاد السائد في الأوساط الإسلامية يؤكد أن الرسول الكريم قد ولد يوم الاثنين 12 ربيع الأول في عام الفيل. ولعله من المثير للدهشة والاستغراب أن معظم المعلومات الواردة في ذلك التاريخ، عرضة للنقد والاختلاف ما بين الروايات المتضاربة، ويستثنى من ذلك اليوم الذي ولد فيه الرسول. فهناك الكثير من الأحاديث الصحيحة والروايات المعتبرة، اتفقت على أن محمد ولد يوم الاثنين. فورد في صحيح مسلم ومسند أحمد بن حنبل والسنن الكبرى للبيهقي، أن الرسول كان يحافظ على صيام يوم الاثنين من كل أسبوع، وكان يفسر ذلك بكونه اليوم الذي ولد فيه.

أما إذا راجعنا الروايات الواردة في تاريخ ولادته، فسنجد أن هناك تضارباً كبيراً في تحديد اليوم نفسه. فبعض الأقوال ذهبت إلى أنه ولد في 2 ربيع الأول، وهناك أقوال أخرى اعتقدت أن ميلاده كان في 8 أو 10 أو 12. ويؤكد المباركفوري في كتابه "الرحيق المختوم" على أن الرسول ولد في 9 ربيع الأول.

لا ينحصر الخلاف حول تحديد اليوم فحسب، بل نجد بعض المصادر التي تؤكد أن الرسول ولد في شهر رمضان، وليس في ربيع الأول. إلى هنا، كل ما سبق من الممكن أن نعتبره من الأمور البسيطة، التي قد يسعنا فيها الاختلاف، ولكن ربما تتغير تلك النظرة إذا تطرقنا لتحديد العام الذي ولد فيه الرسول.

فالمعروف أن الرسول ولد في العام الذي سماه العرب عام الفيل، كعادتهم في تسمية الأعوام بما وقع فيها من أحداث عظيمة. وعام الفيل، بحسب ما يذكر المؤرخون المسلمون في كتبهم، هو العام الذي هاجم فيه أبرهة الحبشي مكة بغية هدم الكعبة وتحويل حج العرب إلى كنيسة القليس في صنعاء.

ولكن في الحقيقة، هناك الكثير من الشكوك التي أحاطت بحادثة الفيل، وبتحديد توقيتها على وجه الدقة. بعض الباحثين المعاصرين شككوا في قدرة الفيلة على اجتياز ذلك الطريق الطويل، الواصل بين الحبشة ومكة. كما زعموا أن بلاد العرب لم تعرف الفيلة، في ذلك الوقت من تاريخها، وقد التفت الكثير من المؤرخين القدامى إلى الشكوك المحيطة بقصة الفيل. مثلاً، يقول "المطهر بن طاهر المقدسي" في كتابه "البدء والتاريخ": "وفي هذه القصة اختلاف كثير في كيفية مجيء الطير وعدد الفيلة ووجود المعجزة في غير زمان نبي مبعوث".

بالإضافة إلى ذلك كله، عثر على بعض النقوش المؤرخة في العام 662 في التقويم السبئي، وهي السنة المكافئة لعام 552. ويتحدث في تلك النقوش أبرهة عن حروبه في شبه الجزيرة العربية، ولا يذكر على الإطلاق أنه وصل إلى مكة، ويعتقد المؤرخون أن أبرهة مات قبل عام 560ه.

ما معنى ذلك؟

الحقيقة ان كل تلك الإشارات السابقة تؤكد أنه لو سلمنا بحدوث واقعة الفيل، فإنها ستكون قد حدثت في حدود 555م، وليس 570م، وهو العام الذي ولد فيه الرسول كما هو معروف. لذلك أكد عدد من المفكرين المسلمين المعاصرين أن الرسول ولد بعد عام الفيل بأكثر من عشرين عاماً، ومن هؤلاء المفكر المغربي هشام جعيط في كتابه "السيرة النبوية".

ويتفق ذلك الرأي مع ما أورده ابن عساكر في كتابه "تاريخ دمشق"، أن الفارق الزمني بين عام الفيل وإعادة بناء الكعبة، كان سبعين عاماً. فالرسول كان على مشارف الأربعين من عمره، إبان قيام قريش بتجديد بناء الكعبة، ما يعني أن عام الفيل سبق ميلاد الرسول بثلاثين عاماً.

التسمية

تتفق المصادر التاريخية الإسلامية على أن جد الرسول عبد المطلب، هو الذي سماه باسم محمد بعد ولادته، والسبب في ذلك هو أن يصير محموداً عند الله والناس. فكما يذكر السهيلي في "الروض الآنف" أن كلمة محمد في اللغة تعني الشخص الذي يُحمد حمداً بعد حمد.

وهناك اعتقاد راسخ في العقلية الجمعية الإسلامية، يرى أن الرسول كان أول من أُطلق عليه ذلك الاسم من العرب، ولكن في الحقيقة الكثير من الروايات التاريخية أظهرت خلاف ذلك.

فيقول ابن سعد في كتابه "الطبقات الكبرى" إن العرب سمعوا من جيرانهم من أهل الكتاب اليهود والنصارى، أن النبي الموعود الذي اقترب زمانه سيكون اسمه محمد، لذلك لجأ بعضهم لتسمية أبنائهم بذلك الاسم، تيمناً بتلك البشارة والنبوءة.

وأكثر المصادر تورد أسماء ثلاثة رجال سبقوا الرسول الكريم في التسمية بذلك الاسم، وهم محمد بن سفيان بن مجاشع، محمد بن أحيحة، ومحمد بن حمران بن ربيعة، وبالغت مصادر أخرى في عدد هؤلاء الرجال لتصل بهم إلى خمسة عشر أو عشرين رجلاً.

ومن الملاحظ أن اسم محمد اختلط كثيراً باسمي أحمد ومحمود، والثلاثة أسماء هم صيغ مبالغة مختلفة ومتعددة، لجذر لغوي واحد هو الحمد، وإن كان ساد اعتقاد قوي في العقل الإسلامي، يرى أن اسم أحمد تحديداً، هو الاسم الذي أشير به إلى رسول الإسلام في الكتب السماوية السابقة.

ومع مرور الوقت، وصف الرسول بأنه المصطفى والمختار، وهاتان من بين بضع صفات تشريفية لمقام النبوة، لكنهما استطاعتا أن تحتلا مكاناً مهماً وسط حشد الأسماء الكثيرة التي عرف بها رسول الله.

هناك رأي يعتقد أن بعض افتتاحيات السور القرآنية، اشتملت على بعض أسماء الرسول. وأصحاب هذا الرأي يرون أن طه وياسين من أسماء الرسول، بينما يخالفهم في ذلك الكثيرون، ممن يعتبرون أن تلك الألفاظ ليست سوى حروف مقطعة من تلك التي وردت كثيراً في مطالع السور في القرآن الكريم.

ومن أهم النقاط المرتبطة بتسمية الرسول، هو وجود عدد من الروايات التي تذكر أن بعض الكفار من قريش اعتادوا أن ينادوه بـ"ابن أبي كبشة"، ولا توجد معلومة أكيدة حول أصل تلك التسمية، التي كان الغرض منها السخرية والاستهزاء بمقام النبوة والرسالة. لكن هناك عدداً من التفسيرات التي أوردها العلماء المسلمون لها، منها أن أبا كبشة كان زوج حليمة السعدية مرضعة الرسول، فكان في مقام أبيه بطريق الرضاعة، ومنها أن ذلك اللقب كان كنية جد الرسول لأمه "وهب بن عبد مناف بن زهرة". أما الرأي الثالث، فيرى أن أبا كبشة من أوائل من خالفوا قريش في دينها، وخرج عن تقاليدهم وأعرافهم، فكانت قريش تنسب إليه كل من يُحدث أمراً جديداً في الدين.

معجزات الميلاد

ارتبط مولد الرسول بعدد من الأمور الإعجازية الخارقة للعادة وللمألوف، منها الادعاء بأنه تكلم في المهد، إذ ذكر الواقدي في السير أن محمداً تكلم في المهد مطلع ولادته وأول كلام تكلم به قال فيه "الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً ".
ومنها أنه في ساعة ميلاده، تهدم جزء من قصر كسرى، وانطفأت نار المجوس المقدسة، كما فاضت بحيرة ساوة الواقعة جنوب العراق.
والحقيقة أن تلك الروايات توغلت كثيراً في عمق القصص الديني الإسلامي، فنجد مثلاً البوصيري صاحب نهج البردة يصف يوم ميلاد الرسول في قصيدته بـ
يوم تفرس فيه الفرس أنهم    قد أنذروا بحلول البؤس والنقم
وبات إيوان كسرى وهو متصدع     كشمل أصحاب كسرى غير ملتئم
والنار خامدة الأنفاس من أسف    عليه والنهر ساهي العين من سدم
وساء ساوة أن غاضت بحيرتها       ورد واردها بالغيظ حين ظمي
وعلى الرغم من ذلك، لا دليل قوي يشهد لهذه الروايات بالصحة أو الصدقية التاريخية. فتلك الأمور، لم تذكر في معظم كتب السيرة والتاريخ، ولم تنقل إلينا، إلا عبر عدد من الروايات الضعيفة المشكوك فيها، وما يؤكد ذلك الضعف هو أن الدول المحيطة بالجزيرة العربية، التي حدثت فيها تلك الوقائع، لم تؤرخ مطلقاً لتلك الأحداث، ولم تشر إليها بتاتاً في مدوناتها وتواريخها.
ويفسر الشيخ محمد الغزالي في كتابه "فقه السيرة" تلك الأحداث بأنها نوع من الإرهاصات التي اختلقها الناس بعد انتشار الدعوة الإسلامية، وفتح بلاد الفرس والروم.