انتشر في الفترة الماضية عدد من المجادلات والمناظرات حول موضوع المهدي المنتظر.
 

ما بين مصدق مؤمن بحقيقة وجوده، ومكذب يعتبره مجرد خرافة وأسطورة، تابع المصريون على شاشات التلفاز، عدداً من البرامج الحوارية التي تناولت ذلك الموضوع، بعدما قام أحد رجال الدين المسلمين بالتهكم على مسألة المهدية، وادعى ساخراً أنه المهدي المنتظر، مطالباً عموم المسلمين باتباعه وطاعته.

في هذا المقال، نقدم تناولاً مبسطاً لمسألة المهدية، وكيف تمت مقاربتها على مدار التاريخ الإسلامي.

المهدي: في القرآن والحديث النبوي

جاء في لسان العرب لابن منظور، أن اسم المهدي من الفعل "هدى" أي بين طريق الهدى وعرفه وأرشد إليه، أما المدلول العام لتلك الكلمة فهو "الإشارة إلى رجل هداه الله الطريق القويم"، وأخذت تلك الكلمة معنى اصطلاحياً معيناً في العقل الإسلامي الجمعي، وهو "الإشارة إلى إمام منتظر يأتي في آخر الزمان فيملأ الارض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً".

لم ترد كلمة المهدي بهذا المعنى في القرآن الكريم، كذلك لم ترد في صحيح البخاري أو صحيح مسلم. لكن مع ذلك، وردت الإشارة إلى المهدي المنتظر في العديد من الكتب المعتبرة عند أهل السنة والجماعة، منها على سبيل المثال سنن ابن ماجة وسنن أبي داود وسنن الترمذي.

وتتفق معظم الفرق والمذاهب الإسلامية على أن المهدي هو شخصية بها نوع من القداسة، وأنه هو الذي سيقود قوى الخير والإيمان ضد قوى الباطل والظلم والعدوان في معركة النهاية وآخر الزمان.

المهدي: الاسم والشكل والصفات

هناك اختلاف حول الصفات اللازم توافرها في شخص المهدي، فهناك من يرى أنه يلزم أن يوافق اسم المهدي اسم الرسول محمد "صلى الله عليه وسلم"، دون الأخذ في الاعتبار اسم أبيه. وهناك من يرى أن اسم المهدي يجب أن يكون "محمد بن عبد الله"، ليتطابق مع اسم الرسول واسم أبيه. ويرى بعض علماء السنة مثل الشاطبي في كتابه الاعتصام، أن المهدي هو "المسيح عيسى بن مريم" عليه السلام، وذلك اعتماداً على حديث ورد فيه إنه "لا مهدي إلا عيسى بن مريم".

ويجمع الشيخ السلفي محمد اسماعيل المقدم في كتابه "المهدي"، الصفات التي نقلتها الأحاديث النبوية عن المهدي المنتظر، في أنه "أقنى الأنف، أجلى الجبهة، يخرج في أخر الزمان، يحكم سبع سنين، ويصلي خلفه المسيح ابن مريم".

مهدي السلطة

تم استخدام نظرية المهدي المنتظر كثيراً في التاريخ الإسلامي، إما من جانب الحكام والخلفاء القائمين بهدف الحفاظ على سلطتهم وحكمهم، وإما، وهي الحالة الأكثر شيوعاً، من جانب المعارضين بهدف إسقاط السلطة والتأسيس لدولة جديدة.

فمع نهاية الدولة الراشدة، وبدايات الدولة الأموية، لمس الأمويون انخفاضاً حاداً في شعبيتهم وسط عموم المسلمين، لذلك وجدنا أن الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان حاول أن يستميل الناس إلى جانبه، مستخدماً الدعاية السياسية القائمة على فكرة المهدية، إذ ورد في مسند أحمد بن حنبل أن بعض الرواة قد أشاعوا في عصر معاوية أن الرسول قد قال عنه "اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به".

أما أبو جعفر المنصور ثاني الخلفاء العباسيين والمؤسس الفعلي للدولة العباسية، فحاول أن يستفيد من الزخم العاطفي الهائل الذي يصطبغ به من يتسمى باسم المهدي، فلقب ابنه وولي عهده "محمد بن عبد الله" بالمهدي، مستغلاً التشابه بين اسمه واسم الرسول. ورغم أن الكثير من المسلمين تأثروا بذلك المسمى في بداية حكمه، إلا أن حقيقته انكشفت بسرعة، بعدما عُرف عنه الميل لشرب الخمر وسماع الغناء، وحضور حفلات المجون والطرب والتعلق بالجواري والقيان.

محمد بن الحسن العسكري: المهدي المغيب

أما الشيعة الاثنا عشرية، فيعتقدون أن المهدي المنتظر هو "محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب"، وهو الإمام الثاني عشر في سلسلة الأئمة الشيعة الإثني عشرية.

ويذكر الشيخ الصدوق في كتابه "الاعتقادات" أن الشيعة الإثني عشرية يعتقدون أن المهدي اختفى في سامراء، ومذاك دخل في ما يعرف باسم "الغيبة الصغرى"، التي استمرت سبعين عاماً. ثم دخل في فترة "الغيبة الكبرى"، التي بدأت عام 329هـ ولم تنته حتى الآن. وأنه عندما يشاء الله، سيخرج من غيبته ويظهر للناس لينصر الحق ويهزم الظلم والطاغوت.

مهدي الإسماعيلية: عُبيد الله مؤسس الدولة الفاطمية

يعتقد الشيعة الإسماعيلية أن المهدي المنتظر هو الإمام "عبيد الله"، المولود في عام 260هـ/873م، والذي ينتهي نسبه إلى الإمام محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق.

بعد عشرات الأعوام من التخفي والفرار من وجه السلطات العباسية المتحفزة، استطاع عُبيد الله أن ينتقل من السلمية في سوريا إلى تونس، حيث أسس لدولة عظيمة عام 297هـ/909م. تلك الدولة التي عُرفت باسم الدولة الفاطمية، والتي امتدت في عهد خلفاء المهدي لتضم أقاليم واسعة في آسيا وأفريقيا.

ابن تومرت: مهدي المغرب

حظيت فكرة المهدي المنتظر بانتشار كبير في المغرب، على أثر نجاح حركة عبيد الله المهدي مؤسس الدولة الفاطمية. ويفسر الكاتب محمد زنبير في كتابه "المغرب في العصر الوسيط" ذلك النجاح، بأنه "يوجد استعداد نفسي عند أهل المغرب في تقبل والتماس الحل الخارق".

وقد أحس محمد بن تومرت، وهو أحد رجال الدين في المغرب الأقصى الذين سافروا للمشرق للدراسة وطلب العلم، بذلك الاستعداد النفسي، لذا عمل منذ وصوله إلى بلاد السوس في بدايات القرن 6هـ، على أن يدرس لأتباعه نظرية المهدي المنتظر. فذكر لهم العديد من الأحاديث النبوية والأقوال المأثورة المتعلقة بهذا الموضوع، وبذلك مهد الطريق ليعلن نفسه كمهدي آخر الزمان.

وفي رمضان 515هـ/ ديسمبر1121م، جمع ابن تومرت أنصاره وأصحابه وطلبته وجميع من اتبعه من المصامدة وأهل السوس الأقصى، وقام فيهم خطيباً وأعلن أنه هو المهدي المنتظر الذي جاء ذكره في الأحاديث النبوية الشريفة.

ومما جاء في خطبة ابن تومرت بحسب ما نقل ابن القطان في كتابه نظم الجمان: "الحمد لله الفعال لما يريد... وصلى الله على سيدنا محمد المبشر بالمهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً ... وقد ظهر جور الأمراء، وامتلأت الأرض بالفساد، وهذا آخر الزمان، والاسم الاسم، والنسب النسب، والفعل الفعل".

وقد استغل ابن تومرت ادعاء المهدية في شن حرب عظيمة على الدولة المرابطية، الحاكمة في المغرب والأندلس. وانتهت تلك الحروب بتأسيس ما يُعرف باسم "الدولة الموحدية الكبرى"، في عهد خليفته عبد المؤمن بن علي.

القحطاني: مهدي القرن العشرين

في 20 نوفمبر عام 1979، دخل أحد الأشخاص اليمنيين، يدعى محمد بن عبد الله القحطاني إلى الحرم المكي، يرافقه عدد من أتباعه وأعوانه، الذين حملوا معهم نعوشاً، ادعوا أن بها جثامين بعض الموتى للصلاة عليها قبل دفنها، وفي حقيقة الأمر كانت تلك النعوش ممتلئة بالأسلحة.
وبعد أداء صلاة الفجر، قام القحطاني بالإعلان عن مهديته، وبايعه أتباعه، واحتلوا الحرم المكي واحتجزوا من فيه من الرجال والنساء. وبعد فترة لم تستطع فيها الحكومة السعودية أن تصل لحل مع القحتاني وأتباعه، فتم تبادل إطلاق النار، بين قوات الكوماندوز السعودية وأتباع القحطاني، ما أسفر عن سقوط الكثير من القتلى من الجانبين، أبرزهم القحطاني نفسه.
منكرو المهدية

أمام التباين والاختلاف في صورة وشخص المهدي في عقلية الفرق الإسلامية المختلفة، زعم الكثير من المستشرقين والباحثين الغربيين، ومن اتبعهم من الباحثين والمفكرين المسلمين، أن فكرة المهدية ليست بفكرة أصيلة في العقيدة الإسلامية وأنها تعود إلى أصول يهودية أو نصرانية.
ومن أهم هؤلاء المفكر المصري الدكتور أحمد أمين، الذي قال في كتابه المهدي والمهدوية: "إن فكرة المهدية قد سادت الشرق أكثر مما سادت الغرب، لأن الشرقيين أكثر أملًا، وأكثر نظراً للماضي والمستقبل، والغربيين أكثر عملاً وأكثر نظراً إلى الواقع، فهم واقعيون أكثر من الشرقيين، ولأن الشرقيين أميل إلى الدين، وأكثر اعتقاداً بأن العدل لا يأتي إلا مع التدين".
كما أن من الفرق الإسلامية المعدودة التي خالفت الإجماع على وجود المهدي، فرقة الإباضية التي يرى فيها السنة امتداداً فكرياً لمذهب الخوارج، فواحد من أعلام المذهب الإباضي المعاصرين، وهو الشيخ علي يحيي معمر في كتابه "الإباضية في موكب التاريخ"، يذكر أن قضية المهدي المنتظر من الخرافات التي تسربت إلى المسلمين.
المهدي: فكرة إنسانية عالمية

فكرة الشخص المنتظر الذي يأتي في آخر الزمان ليصحح الأوضاع وينصر أهل الحق على أعدائهم، هي في حقيقة الأمر فكرة متواترة في العديد من الأديان الأرضية والسماوية على السواء. فهي موجودة بقوة في الزرادشتية، التي انتشرت في بلاد فارس، منذ ما يقارب أربعة ألاف عام، ووجدت كذلك في الدين اليهودي الذي ينتظر معتنقوه حتى الآن قدوم المسيا المنتظر، وكذلك توجد بعض الفرق المسيحية التي تنتظر المسيح مع كل ألفية جديدة.
علماً أن تلك الفكرة قد بلغت من القوة والتأثير ما جعلها تخرج من حدود الإطار الديني التقليدي، وتقتحم الفكر الحداثي المادي الغربي. حتى أن السينما الغربية تناولتها في واحد من أشهر أفلام الخيال العلمي، وهو فيلم ماتريكس Matrix الذي جسد فيه الممثل الشهير كيانو ريفز دور "نيو" الذي هو المعادل الموضوعي لشخصية المسيح أو المهدي في الأديان السماوية.