هل هناك إيجابيات لتحويل البطل إلى خط وهل هناك مجال لتجاهل البطل؟ يجيب السيد فضل الله بأنه : ربما يطرح البعض الوجه الإيجابي للمسألة، فيعتبر أن أية فكرة لا تنطلق من الفراغ .. لأن الإنسان مطبوع على الارتباط بالأشياء من المواقع المحسوسة التي يعيشها في حياته العلمية، ومن هنا كانت قضية القدوة، والقيادة، شرطا في نجاح أية حركة علمية في الحياة، لأن ذلك هو الذي يعطيها معنى التجسيد الحي الذي يحقق للحركة مصداقيتها الواقعية.. فيجسد الناس في الشخص القائد القدوة، شخصية الفكرة والرسالة.. كما يستوحون آفاقها من خلال آفاقه ونشاطاته.. أما إذا فقدنا الشخص في القكرة فإننا نواجه غموضا في الرؤية وضبابا في الأفق وقلقا في الموقف وارتباكا في الاستنتاج. مما قد يجعل الناس تعيش في تيه من الاحتمالات المتنوعة .. ويؤدي بالتالي إلى فقدان الحماسة الذاتية لأن الأجواء الحميمية هي التي تثير الحماس للفكرة من خلال الشخص، وليس العكس هو الفرض الصحيح.

وبذلك يكون الانتماء إلى البطل، أو القائد، أو الإمام الذي عرفه الناس في إخلاصه وعبقريته وانصاره يحقق للخط حيوية في وجدانهم وقوة في حياتهم مما لا يتحقق في حالة الانتماء إلى الخط الذي ينتمي إليه الشخص الكبير .. وستكون النتيجة في الإخلاص لخط الإمام لمصلحة الفكرة نفسها فيما تأخذه من حيوية التأييد الجماهيري للقائد.

ثم يتطرق العلامة فضل الله إلى غاية ما يمكن للمنافحين عن خط البطل قولها تبريراً لنزعتهم الشخصانية قائلاً:

وقد يضيف هؤلاء سؤالاً محدداً .. وهو لما ذا تخافون منفكرة اعتبار الشخص عنوانا لفكرة.. هل هو الخوف من صنمية الشخص وتحول المسألة إلى عبادة للذات، وابتعاد عن الفكرة؟ هل هذا ما تخافونه..؟ فإننا نجيب عليه .. بأن المطروح في الساحة هو صاحب الرسالة والحركة .. والثورة وليس الشخص في صفاته الذاتية المميزة، وبذلك يدخل إلى وعي الناس في نطاق الفكرة مما يوحي لهم بأن الارتباط به من خلال الفكرة لا من خلال الذات.. لتكون هي المنطلقة في وعي الوجدان في الأمة، لا هو بالذات.

إلى هنا، يجعل العلامة فضل الله نفسه افتراضياً في موقع المدافع عن خط البطل، ليُظهر بأنه يعرف ماهي الذرائع التي يلجأ إليه الشخصانيون أو الصنميون، وفق قوله، ثم يطرح العلامة رأيه تحت عنوان الرأي الآخر الذي يرى بأن سلبيات فكرة "خط البطل" أكثر وأكبر من إيجابياته، ويعدّ مآخذ لها وهي باختصار شديد كالتالي:

1- إن الارتباط بالفكرة في نطاق الارتباط بالشخص يجعل من الفكرة حالة ذاتية له.. فنحن نحبها لأنها فكرته.. تماماً كما نحب بعض الناس القريبين إليه لأنهم عائلته أو إخوانه أو أصحابه.. وهذا مما يؤدي إلة أن نبتعد عنها كلما اقتربنا من الشخص، وذلك من خلال التصور الوجداني لحركة الفكرة في الفكر والعمل.. لأن صورته ستكون هي المنطلق في المرتبة الأولى من الوعي، أما صورة الفكرة فتقف في المرتبة الثانية.. ولهذا نجد أن الهتاف للشخص يتقدم كثيراًعن الهتاف لفكرة.

2- إن الفكرة تفقد قابليتها للحوار من خلال هذا الأسلوب..لأن الربط بين عظمة الشخص وعظمة الفكرة يقتضي الربط بين نقد الفكرة وبين الإساءة إلى الشخص.

3- إن الاستغراق في الشخص الذي يجعل الفكرة خطاً له يؤدي إلى إهمال الفكرة الأساس في وجدان الناس.. أما إذا كان الخط وهو الإسلام.. هو القاعدة التي ينطلق الناس منها..فإن المسألة تختلف.. لأن البطل يمثل نتاج الإسلام في حركته.. فيدخل إلى الوجدان من خلال الإسلام، ولا يدخل الإسلام من خلاله.

وبالرغم من ذلك ينوه السيد بأنه لا يؤمن بالتجريد في حركة الفكر في وعي الأمة.. ولكن ليس معنى ذلك أن تكون الفكرة هي فكرة الشخص.

لا شك في صدقية ومصداقية العلامة فضل الله في هذا المقال الذي يعكس نظرة السيد التشخيصية لما ساد منذ انتصار الثورة الإيرانية على الساحة الإسلامية من تقديس شخصية الإمام الخميني، وتحويلها إلى شخصية شبه معصومة عن الأخطاء لم يكن يجرؤ أحد على نقدها، ولكن الفكرة التشخيصية التي طرحها العلامة فضل الله في هذا المقال ينبغي تطبيقها على تجربته خاصة بعد وفاته، ويجب أن يعاد النظر في المؤسسات التي تركها العلامة وهي لم تكن ملكاً شخصياً له ولكنها يتم إدارتها بشكل عائلي وكأنها ملك لعائلته، وصور السيد المعلقة على محطات الأيتام والتركيز على كلمات السيد وخطاباته وفتاواه وقصائده والدعم الحصري الذي تقدمه مؤسسات السيد الثقافية لأعمال فكرية تتمحور حول فكر السيد، تقول لنا بأن السيد فضل الله أيضاً تحول إلى خط ومعيار.

إن السيد فضل الله (ره) كان يملك عقلاً تنظيماً عملاقاً ولكنه عجز عن مأسسة هذا العقل التنظيمي، وينبغي دراسة موضوع المرجعية المؤسسة كعينة واضحة لهذا الفشل، وسوف نتناوله في وقت قادم بإن الله.