1- كما أثبتت الثورات العربية في مصر وتونس وليبيا واليمن بأن عصر الثورات التقليدية لم تنتهي بعد ويمكن تكرارها في أي بلد من بلدان العالم الثالث، فكذلك أثبت الإنقلاب العسكري الذي حاول الجيش التركي من أجل تحقيقه خلال الساعات الأخيرة من اليوم الماضي بأن عصر الإنقلابات التقليدية لم ينتهي بعد، بغض النظر عن نجاح تلك الثورات أو الانقلابات.

فإن الثورة الشعبية المصرية تم إسقاطها عبر إنقلاب السيسي العسكري ولكن الانقلاب التركي العسكري باء بالفشل نتيجة انتفاضة شعبية صمدت في وجهه ولم تسمح له بالنجاح وهذا يُظهر مدى الفرق بين المجتمع التركي والمجتمع المصري، حيث إن ثقافة الديمقراطية متجذرة في المجتمع التركي والدليل على ذلك هو أن الأحزاب المعارضة وقفت بجانب الرئيس أردوغان ورفضت الإنقلاب العسكري بالرغم من جميع الخلافات مع الحكومة، ويعرف المجتمع التركي بأن سلطة العسكر لن تترك مجالًا للعبة الديمقراطية وسوف تقضي بالاحزاب والحريات ولم تسمح بتداول السلطة.

أما الأحزاب المصرية المعارضة لإخوان المسلمين تعاونت مع الجيش في إسقاط محمد مرسي، واهماً بأنها ستحصل على فرص أفضل للديمقراطية بينما حكم الجيش والديمقراطية نقيضان لا يجتمعان.

2- إن نجاح الانقلاب العسكري في تركيا بحال تحققه كان من شأنه تحفيز جيوش أخرى في المنطقة بانتهاج نفس الطريق من أجل الوصول إلى السلطة، فإن الجيوش في المنطقة العربية الإسلامية لديها دوماً تبريرات من أجل شرعنة الإنقلاب العسكري، من إعادة القوة الداخلية لمقاومة العدو أو الأعداء وهم كثيرون، فتارة يتجسد العدو في الكيان الصهيوني وتارة في الولايات المتحدة وتارة في الاثنين وتارة في الإرهاب الإسلامي أو الأصولية الإسلامية.

3- أعطى الشعب التركي بصموده أمام الانقلاب درساً لشعوب المنطقة حتى تعرف بأن الوعي الجماعي والإرادة الجماعية النابعة من ثقافة الديمقراطية تغلب على الدبابة والبندقية.

هذا الوعي السائد على المجتمع التركي هو الذي أحبط توقعات الانقلابيين، حيث أن الانقلابات التي تم تنفيذها خلال ثمانية عقود في تركيا من قبل الجيش، كانت تلقى صمت الشعب الذي كان يستجيب لحكم العسكر في عدم الخروج من المنازل، ولكن الانقلاب الأخير لقى رفض الشعب.

هذا وأن شرائح واسعة من الشعب ليس راضية من تصرفات أردوغان في كثير من الحالات التي تطغي عليها طابع الشخصية والفردية حيث يُظهر أردوغان رغبته في الإتجاه نحو الديكتاتوية.

4- حتى الجيش التركي لم يعد الجيش المتكامل الذي شهدناه في العقود الماضية، وأثبت أحداث الانقلاب التركي الفاشل، بأن قسماً كبيرا من الجيش لا يرى مصلحته في الإنتصار على الديمقراطية.

فيمكن القول بأن فشل الانقلاب العسكري في تركيا كان انتصاراً للديمقراطية التي ينبغي على الرئيس رجب طيب أردوغان أن يعيد النظر في تصرفاته المستقبلية من أجل حراسة القيم الديمقراطية ورفع مضايقاته عن الصحافة والإعلام, وأخيراً يجب على أردوغان أن يشكر معارضيه الذين دافعوا عنه وعن حكومته في وجه الانقلابيين.