كُلُّها ضِيَعٌ حيث لا شجرٌ ولا حقولٌ ولا مزارعون! بل ثقافة سياسية ريفية تُحِبّ أن تمارسها البيئة الحاضنة في العمق لكل البنية الحداثية اللبنانية المتعددة الطوائف. الطليعية الحداثية نخباً هي ريفيةُ الثقافة السياسية جمهوراً. كأن هذه الضيع من كل الطوائف التي أصبحت مدناً هي نفسها التي حوّلت المدن إلى "ضِيَع".

لا زال رأيي، أو بادّعاء أكثر لا زالت الوقائع تثبت، أن الانتخابات الحقيقية في لبنان بعد انتهاء زمن سيطرة النظام السوري هي حيث كانت وتكون الانتخابات مسيحية. حتى في بيروت يمكن الوثوق النهائي بأرقام المنطقة المسيحية. ليس لأن اتجاهات التصويت في مناطق بيروت المسلمة السنية والشيعية لا دلالة لها. بالعكس لها كل الدلالات ولكن ليس كل ..."المؤكَّدات"!
إذا كانت الانتخابات البلدية التي حصلت الأحد الماضي والذي قبله هي حقيقية حيث الجغرافيا السكانية مسيحية، وستكون كذلك في الأحَدَيْن الآتيَيْن، فإن الانتخابات السياسية الوحيدة، من حيث هي السياسة ذاتُ بُعْدٍ حداثي، حصلت في بيروت فقط، وليس في أي منطقة أخرى.
قد لا تكون انتخابات بيروت حقيقية، بالمعنى العميق لسيطرة الحزب السني الوحيد، على غرار سيطرة الحزب الشيعي والحزب الدرزي الوحيدين، أي بنية السيطرة المالية والأمنية والسلطوية، ولكنها انتخابات حداثية من حيث أنها المكان الوحيد- الوحيد- التي يظهر فيها "النظام السياسي" كنظام بكامله، بكل معاني السياسة المعاصرة، معاني التخلف ومعاني الحداثة. وبالتالي حتمية ظهور صراع بينهما.
الانتخابات الحداثية ليست بالضرورة الانتخابات الحقيقية.
في جبل لبنان الإداري المسيحي كانت الانتخابات حقيقية جدا حتى لكأن لبنان القديم الجميل المتنوعَ الجماعاتِ والحرَّ الأفرادِ كما ظهر منذ انتخابات العام 2005 والعام 2009 لا زال موجودا لأسباب مختلفة حيث مناطق المسيحيين المتصلة في جبل لبنان التاريخي من جزين إلى زغرتا وبعض الجزر من زحلة إلى القبيات.
لكن الانتخابات المسيحية هي أيضا انتخابات قروية جدا في معظم الأمكنة باستثاء الأشرفية ومحيطها اللذين باتا عمليا مدينة أخرى داخل بيروت يفصلها طريق الشام.
سمعتُ كلمة "ضيعة" الأسبوع الماضي تتردّد بأشكال أحيانا طريفة. فرن الشباك المحاذية لأحد أهم أحياء بيروت، بدارو، وأغلاها، والتي هي نفسها أقرب للوسط التجاري من "طريق الجديدة" وأسعار عقاراتها أغلى من الأخيرة... هذه الفرن الشباك يسمّيها رئيس بلديتها والمرشحون: "الضيعة".
سن الفيل، الحدث، الدكوانة، الحازمية، انطلياس وغيرها "ضِيَعٌ" سابقة ويحب سكانها الأصليون أن يسمّوها ضِيَعاً لأن النظام الطائفي لا يربطهم بها فقط بل أيضا لأنه يعطيهم ميزة استمرار انتمائهم السياسي إليها عبر سجل الأحوال الشخصية الثابت لا المتحرك.
كُلُّها ضِيَعٌ حيث لا شجرٌ ولا حقولٌ ولا مزارعون! بل ثقافة سياسية ريفية تُحِبّ أن تمارسها البيئة الحاضنة في العمق لكل البنية الحداثية اللبنانية المتعددة الطوائف أي البيئة المسيحية. الطليعية الحداثية نخباً هي ريفيةُ الثقافة السياسية جمهوراً مثل باقي جماهير الطوائف. كأن هذه الضيع التي أصبحت مدنا هي نفسها التي حوّلت المدن إلى "ضِيَع"...
هناك عنصر ريفي عميق في تركيبة الكيان اللبناني، بسبب الدور التأسيسي لثقافة الجبل الصغير في الكيان الكبير. عنصر يجعل المدن تحت وطأة العصبيات الريفية ولو تخلّلتها عناصر مقاومة مدينية لهذه الريفية.
هذا هو مشهد البلديات المسيحي:
ومع أن السنية السياسية اللبنانية مدينيةٌ منذ تأسيس الكيان، وإذا لم تخنّي الذاكرة فإن الأمير خالد شهاب هو السني الوحيد الآتي من الريف ( حاصبيا) الذي شغل منصب رئيس الوزراء بينما الآخرون جميعهم من بيروت وطرابلس وصيدا... مع ذلك فإن النمط السائد الذي يطبع شخصية النظام تاريخيا هو النمط الريفي للعصبية الذي تأثرت به المدن.
اللبناني السائد هو الطائفي طبعا. ولكن اللبناني مناطقي أيضا. ولهذا فإن الضيعة أو الروحية الضيعوية تتألّق عندما لا تكون العصبية الطائفية مهددة. وهذا ينطبق على المسيحيين كما على الريفيّتين الرئيسيّتيْن الأخْرَييْن الشيعة والدروز وعلى ريفيي السُنّة.
لبنان القديم الذي شاهدناه في انتخابات المسيحيين البلدية، وسنشاهده في الأيام المقبلة، أي حيث لا سيطرة عسكرية فئوية أو حزبية على مراكز الاقتراع، قروي حتى العظم. كان المسيحيون رغم الصراع "يستمتعون" بالانتخابات كأنهم في جمهوريتهم المستقلة لأن التنافس البلدي ولو هو أقل أهمية من التنافس النيابي يمنح، من جملة ما يمنح في علاقات الميكرو، شعورا بالارتياح لعدم وجود خطر مباشر على الماكرو السياسي للجماعة المسيحية بعكس العديد من ذكريات أو حالات الارتهان لـ"الصوت المسلم" وأنظمة المنطقة العاتية التي يرتبط بها.
تبقى إشارة على مستوى متصل، وهي أن انتخابات طرابلس ستُظهِر ما إذا كانت سلطة الحزب الواحد السني تتعرّض لهزة تهدد وحدانيته أم ستتواصل صورة "الحزب الواحد" عند السنة والشيعة والدروز؟
ملاحظة أخيرة: السبب الرئيسي لقوة التنوع السياسية عند المسيحيين هي أن كل قوى المجتمع حاضرة ومتصارعة وترغب بالتمثيل السياسي وقادرة بأشكال مختلفة على ذلك: الأحزاب، الكنائس، العائلات، التجار، رجال الأعمال، الفلاحون، المثقفون... بينما التنوع أصبح مدجّنا لدى البيئات المسلمة.
أما القشرة النخبوية الجديدة المتسعة، بعدما قطعت صور وصيدا وطرابلس وبعلبك شوطا لا رجوع فيه في تلاشي بيئتها المتنوعة طائفياً، أي في تلاشي السكن المسيحي فيها، هذه القشرة لن تتمكّن من أن تمارس حداثيّتها إلا في المدينة الحقيقية "الأخيرة" والدائمة في لبنان: بيروت. بيروت التي تنقذها عاصِميَّتُها حين يحاصرها النظام!