قيل إنّ السيد حسن نصرالله بدّد مخاوف كوادره في اجتماع داخلي من الانهيار المالي والاقتصادي، شارحًا ومستفيضًا بأنّ لا مبرِّر إطلاقًا لمخاوفهم. فماذا قال، وعلى ماذا استند؟

قيل إنّ السيد نصرالله خصّص أحد الاجتماعات الدورية لكوادره منذ فترة، للحديث عن التقارير التي تصله وتتحدّث عن خشيتهم من واقع الحال الذي أصاب البلاد بفعل الانهيار غير المسبوق، وتساؤلاتهم عن مصيرهم في حال استمرّ هذا التدهور الخطير والكبير، فتوجّه إليهم سائلًا:

 

أولًا، بماذا يؤثِّر عليكم انهيار القطاع المصرفي، وكم من مصرف شيعي في لبنان، وذكرّهم بأنّ الحزب ومنذ زمن بعيد، يتعامل بـ»الكاش» بسبب العقوبات المفروضة عليه؟

 

ثانيًا، بماذا يؤثِّر عليكم انهيار القطاع الاستشفائي المملوك من غير الشيعة، وعدم حاجتكم إلى هذه المستشفيات في ظل اتكائكم على مستشفى «بهنم» وغيره من المستشفيات والمستوصفات الخاصة بالشيعة والمتوفِّر فيها كل المستلزمات الطبية الضرورية؟

 

ثالثًا، بماذا يؤثِّر عليكم انهيار القطاع التعليمي في ظل توفُّر المدارس والجامعات المخصّصة للشيعة؟

 

رابعًا، بماذا يؤثِّر عليكم انهيار القطاع السياحي المملوك من غير الشيعة، وهمّ، أي الحزب، ضد أساسًا هذا النمط من الحياة المتبّع في لبنان ويُفسد الإنسان، ويشكّل عدوى خطيرة يجب مواجهتها لا التأسُّف عليها؟

 

خامسًا، بماذا يؤثِّر عليكم انهيار القطاعات الصناعية والتجارية والزراعية وهي في معظمها غير شيعية، فيما الشيعية منها لم تتأثّر من جراء الانهيار بفعل تصريف إنتاجها عن طريق الحزب؟

سادسًا، بماذا يؤثِّر عليكم ضُعف الدولة وانهيارها طالما انّ هناك من يريد تقويتها على حساب قوة المقاومة؟

سابعًا، بماذا يؤثِّر عليكم انقطاع التيار الكهربائي طالما انّ الكهرباء مؤمّنة لكم بأفضل وجه ممكن؟

 

ثامنًا، بماذا تؤثِّر عليكم الهجرة طالما انّ بيئتنا لا تهاجر ونوفِّر لها كل مقومات البقاء والاستمرار؟

تاسعًا، بماذا يؤثِّر عليكم وقف الدول الخليجية مساعداتها للبنان والتي لا يستفيد منها أبناء الشيعة، ولا بل هدف هذه الدول محاصرة الحزب ومحاربته؟

 

عاشرًا، بماذا يؤثِّر عليكم الحصار الدولي المفروض على لبنان ومعظم دول هذا المجتمع تُصنِّف الحزب بالإرهابي ولا توفِّر وسيلة لمحاربته؟

 

وقيل إنّ نصرالله استفاض شارحًا: كل ما عدّدته لكم، وغيره الكثير طبعًا، يمثِّل النقيض لنهج «حزب الله» ولكل ما يحاول ترسيخه في المجتمع، إذ وبقدر ما يقوى هذا الجانب، بقدر ما يضعف مجتمعنا القائم على سلَّم أولويات مختلف، وبقدر ما يضعف، بقدر ما يقوى مشروعنا ويتقدّم ويتعزّز، ومن الخطأ الكبير مقاربة الأمور انطلاقًا من قاعدة انّ ما يصيب «سكان البلد» يصيبنا، وكأننا في مجتمع واحد، وهؤلاء يؤيّدون مشروعنا ومقاومتنا، فيما همّ ينتظرون اللحظة المناسبة للتخلُّص من مقاومتنا وما حققته لهذا البلد، كما انّه من الخطأ الكبير أيضًا التأثُّر بمقولة إننا في مركب واحد وغرقه يؤدي إلى غرقنا، لأننا في مركبين مختلفين، وهناك من يريد إغراق مركبنا للتخلُّص منا.

 

وأضاف نصرالله: يتناقض مشروعنا السياسي مع المشروع الذي قام عليه البلد والذي ارتكز على ثلاثة أفكار أساسية:

 

الفكرة الأولى، هي الحياد عن صراعات المحاور، وكأنّ لبنان جزيرة معزولة في هذا العالم، فيما نحن أردنا لبنان ونجحنا بتحويله إلى رأس حربة في مواجهة مشروع استكباري عالمي وأميركي تحديدًا، كما رأس حربة في مواجهة المشروع الإسرائيلي الذي يشكّل خطرًا وجوديًا علينا، ويستحيل ان ننأى بأنفسنا عن هذه المواجهة، بل واجبنا ان نعبئ مجتمعنا من أجل ان يحمل أفكارنا وقضيتنا وأهدافنا.

 

الفكرة الثانية، هي انّ لبنان دولة مدنية، فيما نحن نريده دولة إسلامية تشكّل حلًا عادلًا لجميع اللبنانيين، وتخرجهم من اقتتالهم وانقساماتهم وخلافاتهم، ويجب ان تُحسم هوية البلد لتتحوّل إلى هوية إسلامية وجزء من الجمهورية الإسلامية الكبرى، ودولة مقاومة نهجًا وممارسة.

 

الفكرة الثالثة، تتعلّق بنمط عيش اللبنانيين القائم على سهولة الحياة والسهر والخمرة والفنّ الذي يسيء إلى عقل الانسان وتهذيبه، وكأنّ هذا الإنسان خُلق من أجل لا شيء من دون قضية وهدف، وهذا الأسلوب في العيش يتناقض جذريًا مع النمط المقاوم الذي يتطلّب وجود بيئة نظيفة ولا تشكّل عدوى خطيرة.

 

وقيل إنّ السيد نصرالله ختم حديثه قائلاً: تأكّدوا بأننا نسير بالاتجاه المطلوب، والعناية الإلهية إلى جانبنا، حيث حقّق مشروعنا في السنوات الأخيرة خطوات هائلة إلى الأمام، ولم يبق لدينا الكثير قبل تحقيق هدفنا النهائي، ولكن المطلوب دائمًا ان نحافظ على إيماننا وتقشفنا ونمط عيشنا وأفكارنا وتصميمنا وجهوزيتنا.

 

وبمعزل عن صحة ما قيل ونُقل عن السيد حسن نصرالله، إلّا انّ أي مقاربة لواقع الحال تُعطي انطباعًا وكأنّ ما انزلق إليه الوضع كان مدروسًا ومخططًا له، وبأفضل الأحوال هناك من استفاد من الانهيار من أجل تغيير الوقائع المالية والاقتصادية والديموغرافية للبلد تمهيدًا لتغيير هويته ودوره، وذلك على غرار الحرب السورية التي لم يكن مخططًا لها، ولكن هناك من استثمر فيها من أجل تهجير البيئة السنّية لخلق وقائع ديموغرافية جديدة.

 

ويبدو انّ هناك من اكتشف مع اندلاع الحرب اللبنانية، وعلى مراحل، ثلاث ثغرات استراتيجية يشكّل عدم معالجتها خطورة على إبقاء لبنان ضمن محور الممانعة، وبالتالي عمل تباعًا على سدّها وإقفالها:

 

الثغرة الاستراتيجية الأولى، تكمن في جعل لبنان ساحة وصندوق بريد عن طريق قوة خارجية، لأنّ هذه القوة يُمكن إنهاء دورها وإخراجها من لبنان فيُبطل ان يكون ساحة لمحور الممانعة، والدليل ما حصل مع الثورة الفلسطينية والجيش السوري، ولذلك، يجب تجنيد فئة من داخل الجسم اللبناني لتتولى مهمة إبقاء لبنان ساحة من ساحات محور الممانعة، وهذا أحد إهداف إنشاء «حزب الله».

 

الثغرة الاستراتيجية الثانية، تكمن في الفصل بين المواجهة السياسية، اي مواجهة أخصام محور الممانعة، وبين المواجهة الاقتصادية-الاجتماعية، حيث تبيّن لهذا المحور انّ تحييد الواقع المجتمعي وحفاظ الناس على نمط عيشها يدفعها إلى ان تثور وتنتفض في حال وجدت انّ التموضع السياسي ينعكس سلبًا على أسلوب عيشها، وبالتالي من أجل الهيمنة الكاملة على لبنان يجب ضرب الطبقة الوسطى وتهجير النخب وإخضاع الشعب الفقير غير القادر على مغادرة البلد، وهذا تحديدًا ما يحصل اليوم من خلال الانهيار المنهجي والمبرمج لكل القطاعات الحيوية، والتي شكّلت تاريخيًا قيمة مضافة للبنان.

 

الثغرة الاستراتيجية الثالثة، تكمن في تحييد البطريركية المارونية، حيث تبيّن انّه في كل المراحل قادرة على سدّ الفراغ السياسي متى وجد على غرار حقبة الاحتلال السوري للبنان، والتي قادت فيها البطريركية المواجهة ضدّ هذا الاحتلال، وبالتالي لا يجب ان تقتصر المواجهة على الأخصام السياسيين، إنما يجب ان تطال البطريركية لتعطيل دورها السيادي، ورسالة توقيف المطران موسى الحاج واضحة المعالم وبالغة الدلالة.

 

ومعلوم واقعيًا وتاريخيًا انّ المواجهة السياسية للجماعات في الدول التعددية لا تستقيم في حال لم تتمكّن كل جماعة من الوقوف على أرض صلبة تحافظ فيها على ديموغرافيتها ونمط عيش بيئتها بعيدًا من نزيف الهجرة، فيما خسارة اي جماعة تبدأ من باب الهجرة الكثيفة لاعتبارات مالية واقتصادية.