لا يبدو انّ موازين القوى داخل المجلس النيابي ستسمح لأيّ فريق سياسي بانتخاب رئيس للجمهورية من فريقه، ما سيدفعه إلى التعطيل منعاً لإيصال خصمه لمرشحه الرئاسي، وهذا التعطيل المتبادل سيؤدي إلى فراغ رئاسي.
 
لم يُنتخب العماد ميشال سليمان سوى بعد أحداث السابع من أيار واتفاق الدوحة، ولم يُنتخب العماد ميشال عون سوى بعد مرحلة فراغ دامت سنتين ونصف السنة وتبدلّت فيها أحوال وتحالفات وتموضعات، ولا يبدو انّ الرئيس المقبل سيُنتخب ضمن المهلة الدستورية لثلاثة أسباب بديهية:

 

السبب الأول مردّه إلى افتقاد الفريقين لأكثرية الثلثين التي تسمح لهما انتخاب الرئيس بمعزل عن الفريق الآخر.

 

السبب الثاني عائد إلى إصرار الفريقين على انتخاب رئيس من صفوفهما والذي يعني توسلهما التعطيل المتبادل قطعاً للطريق الرئاسية على بعضهما البعض.

 

أمّا السبب الثالث فيكمُن في وَضع رئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع استراتيجية رئاسية ثلاثية لا بدّ من ان تكون موضع نقاش بينه وبين مكونات المعارضة: الإصرار على رئيس من المعارضة، رفض رئيس من 8 آذار، رفض الرئيس الوسطي، والخيار الأخير يعني رفض التسوية مع الفريق الحاكم.

 

وما قاله رئيس «القوات» يفترض ان يكون موضع نقاش بين مكونات المعارضة، الأمر الذي يطرح التساؤلات التالية: هل المعارضة التي ما زال من المستبعد اتفاقها بالنصف زائدا واحدا على مرشح واحد في وارد أو قادِرة على جَمع الثلث لتعطيل جلسة الثلثين التي تتطلبها الانتخابات الرئاسية؟ وهل بدأ العمل داخل صفوف هذه المعارضة على هدفين: الأول تأمين النصف زائدا واحدا لانتخاب مرشّح من صفوفها، والثاني تأمين الثلث المعطِّل في حال تعذّر تحقيق الهدف الأول؟ وهل موقف جعجع المتمسِّك برئيس معارض والرافض للرئيس الوسطي يحظى بتأييد الثلث من مكونات المعارضة؟

 

وفي حال نجحت المعارضة بالاتفاق على الحدّ الأدنى باعتبار انّ اتفاقها على الحدّ الأقصى ما زال يتطلّب الكثير من الجهود، فهذا يعني امتلاكها للمبادرة الرئاسية إن لجهة منع فريق السلطة من انتخاب الرئيس الذي يريده، او لناحية عدم التنازل عن هذه الورقة قبل الاتفاق على هوية الرئيس المقبل، ومجرّد امتلاكها لورقة الثلث يعني ان لا انتخابات رئاسية من دون أصواتها.

 

وأما لجهة اتهامها باستخدام أسلوب أخصامها الذي كان موضع انتقادها الدائم وهو التعطيل، فإنّ الردّ على هذا الاتهام سهل جداً: التعايش بين مشروعين سياسيين متناقضين لم ينجح، وكل المحاولات لحُسن إدارة هذا التناقض فشلت، وتحكُّم فريق 8 آذار بالدولة أدى إلى انهيارها، والانعكاسات السلبية للفراغ هي نفسها في حال تمّت تعبئة هذا الفراغ بسلطة للفريق الحاكم، فضلاً عن انّ من يريد توسُّل الشرعية عليه استخدام أدواتها، اي ان يحتكم إلى الدستور والقانون ومنطق المؤسسات، وليس ان يستخدم الشرعية كغطاء لأعماله التي تضرب الشرعية، والمعادلة يجب ان تكون واضحة على هذا المستوى: من يرفض تسليم سلاحه غير الشرعي يجب ان يبقى خارج المؤسسات الشرعية، خصوصاً انّ المسألة جرِّبت على مدى 17 عاما ونتيجتها كانت كارثية، فحان الوقت للفصل بين ما هو شرعي داخل المؤسسات، وما هو غير شرعي خارج المؤسسات.

 

ولكن ماذا على مستوى فريق السلطة الذي يتعامل معه البعض وكأنّ أوراقه محسومة وانّ المشكلة هي لدى فريق المعارضة، وهذه الصورة غير دقيقة على الإطلاق، لأنّ «حزب الله» لم يحسم موقفه بعد من تبنّي ترشيح النائب جبران باسيل وصعوبة إقناعه للنائب السابق سليمان فرنجية بهذا الخيار، كما لم يحسم ما إذا كان سيتبنّى ترشيح فرنجية وصعوبة إقناعه لباسيل بالسير بهذا الخيار، ولم يحسم أيضا ما كان سيلجأ إلى خيار ثالث وكيف سيقنع باسيل وفرنجية بدعم هذا الخيار؟

 

وهناك من يخطئ التقدير على هذا المستوى لجهة انه متى قرّر «حزب الله» كل حلفائه يصطفون خلف قراره، فيما الواقع مختلف تماما، حيث انّ الحزب لا يتساهل مع حلفائه في حال عدم تأييدهم لخياراته العسكرية وكل ما هو متصل بالسلاح والدور، ولكنه في المسائل الأخرى غير قادر مثلاً على فكّ مشكل بين عشيرتين فكيف بالحري بين حليفين له يتصارعان على منصب يتعلّق بهما وليس بطائفته؟ ولو كان قادراً على حسم الملف الرئاسي لَما تردّد على غرار المرة السابقة عندما تبنّى خيار العماد عون باكرا، ولكنه غير قادر أقله حتى اللحظة، والمؤشرات الأولوية تفيد انّ النائب باسيل ليس بوارد السير بخيار فرنجية حتى لو تمنّى عليه أمين عام «حزب الله» ذلك، فيما الأخير لن يدعم اي خيار علني قبل ان يضمن وحدة موقف فريقه السياسي.

 

وما تقدّم على مستوى فريق السلطة هو نفسه على مستوى فريق المعارضة، فلا هذا ولا ذاك نجح في توحيد صفوفه حول مرشّح واحد، ما يعني أن لا هذا ولا ذاك جاهز حتى الآن للمشاركة في جلسة انتخاب الرئيس الجديد. وهذا ما يفسِّر، ربما، إعلان الرئيس نبيه بري انه لن يدعو إلى جلسة الانتخاب قبل إقرار رزمة القوانين الإصلاحية، لأنّ فريقه السياسي غير مُهيّأ بعد، ولكونه يدرك ان الحسم ما زال متأخرا، ويبدو ان هذا التوجّه منسّق بينه وبين نصرالله.

 

وكل ذلك يقود إلى خلاصة أساسية وهي ان انتخاب رئيس الجمهورية لم ينضج بعد، وانه في حال نضج لدى هذا الفريق او ذاك يقوم أحدهما بقطع الطريق أمام الآخر باللجوء إلى الثلث المعطِّل، وفي مطلق الحالات فإنه مع إصرار الفريقين او معظم المكونات داخلهما على انتخاب رئيس من صفوفهما ورفض التسوية على رئيس وسطي، لن يتمكن من الحكم وسط الانقسام القائم، ما يعني انّ الفراغ الرئاسي سيكون حتمياً.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه: ماذا بعد الفراغ الرئاسي؟ والأرجح ان شيئاً لن يتبدّل سوى في حال تراجع أحد الفريقين وقَبِل بشروط الفريق الآخر تماماً كما كان يحصل في زمن 8 و 14 آذار حيث كان يتنازل الفريق الأخير، ولكن هل هذا التنازل ما زال ممكناً بعد تجارب التنازلات السابقة وبعد الانهيار الذي وصلت إليه البلاد؟ من الصعوبة بمكان ان تكرِّر المعارضة تجاربها السابقة، خصوصاً ان تكوينها مختلف هذه المرة، واتّعَظت من تجاربها، ما يعني ان الفراغ سيطول على وقع المزيد من الانهيار المصحوب بتوتر سياسي.

 

ولكن كيف يمكن كسر هذه الحلقة المفرغة؟ لا يمكن كسرها سوى بوصول الفريقين إلى تسوية، او بانفجار اجتماعي أو أمني يُفضي إلى تدخل خارجي الذي كل أولويته في لبنان الحفاظ على الاستقرار، لأن أولوياته في مكان آخر، ويعتبر ان حلّ الإشكالية اللبنانية غير ممكن بين اللبنانيين، إنما يستلزم حلولاً على صعيد المنطقة.

 

وكل ذلك يقود إلى استنتاج أساسي انه مع كل تسوية تبرز فرصة جديدة، ومن الخطيئة بمكان تضييع هذه الفرصة، لأن «حزب الله» لن يتمكن من الخروج من الفراغ لإعادة إنتاج السلطة منفردا، بل هو بحاجة للفريق الآخر، وفي مراحل الفراغ السابقة كان يعتمد الحزب ورقة الفراغ كورقة ضغط على أخصامه من أجل دفعهم إلى التنازل والتسليم بشروطه حفاظاً على الاستقرار، إنما مع انهيار كل شيء تقريباً لا فائدة ولا مصلحة بتعبئة الفراغ بسلطة شكلية عاجزة عن الإصلاح، والدليل انه على رغم الانهيار الإصلاح لم يتحقّق، لأنّ الفريق الحاكم فعلياً لن يسمح بهذا الإصلاح الذي يقلِّص مداخيله ويقيِّد دوره ويضع لبنان على سكة بناء دولة تتعارض مع مشروعه، وهذا يُفترض ان التنازل غير وارد وانّ اي تسوية يجب ان تضمن قيام دولة وإلا فلا معنى لها إطلاقاً.

 

وفي حال تفويت هذه الفرصة يعني ولاية جديدة من الانهيار، وولاية جديدة من تحكُّم الواقع غير الشرعي بالمؤسسات الشرعية، وعَود على بدء من رهان على تطورات خارجية يمكن ألا تأتي، او رهان على الانتخابات يمكن ألا يتمكّن البلد من الوصول إليها، وفي الحالتين تضييع للوقت والفرَص، فيما الفرصة سانحة اليوم برفض إنتاج سلطة جديدة سوى على الأسس الدولتية المطلوبة، وإلا فليكن الانهيار الشامل الذي يعيد تركيب البلد على أسس جديدة بعد فشل تركيبة العام 1990 بإنتاج دولة واستقرار.

 

وجلّ ما هو مطلوب في هذه المرحلة عدم انتخاب رئيس للجمهورية سوى في حال كان من فئة الرؤساء الذين لا يخضعون لسياسة الأمر الواقع، ما يعني صعوبة انتخاب رئيس من هذا الصنف في ظل ميزان القوى القائم، وبالتالي استخدام ورقة التعطيل نفسها التي كان يستخدمها «حزب الله» سابقاً من أجل تمديد واقع اللادولة، ولكن استخدامها هذه المرة يجب ان يكون من أجل التسوية التي تعيد الاعتبار لدور الدولة، والأهم من كل شيء عدم حصول الترسيم وعدم استخراج الغاز بصورة قطعية، والذي لن يستفيد منه الشعب اللبناني، والاستفادة الوحيدة ستكون لمحور الممانعة.