إن حال إنعدام المسؤولية الوطنية من قبل المعنيين بتأليف الحكومة، والتمسك بمطالب أقل ما يقال فيها أنها تافهة أمام حجم التحديات التي تواجه اللبنانيين صحيا وإجتماعيا وإقتصاديا، سيؤدي الى تسريع الانهيار على وقع تفشي كورونا وعدم القدرة على مواجهته، والفوضى الشعبية الحتمية بعد رفع الدعم الآتي لا محال طالما أن التجاوب مع المبادرات معدوم، والجمود الحكومي مستمر ومؤسسات الدولة تتجه نحو التحلل، وبالتالي فإن الارتطام الكبير المنتظر بات وشيكا جدا، وعندها سيجد لبنان نفسه أمام إنهيار شامل غير مسبوق .
 

في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار، إلى العاصمة الأميركية واشنطن، لمواكبة حفل تنصيب الرئيس الأميركي المُنتخب جو بايدن، في ظل المخاوف القائمة من حصول أعمال عنف في الولايات المتحدة من قبل أنصار الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب، نظراً إلى الهجوم الذي حصل على مبنى الكونغرس خلال عملية التصديق على نتائج الإنتخابات، بعض المتابعين  للاجواء السياسية في واشنطن يعتبرون بأن لا تطورات سريعة منتظرة في ما خص العلاقة مع إيران، لا لجهة التصعيد ولا لجهة الانفراج، ما يعني أن المأزق اللبناني مكتوب له التفاقم، إذا لم تبادر القوى الداخلية إلى ابتكار المخارج.

 

وما جعل الموقف سوداوياً، على الرغم من الانتظار، المعلومات التي تسربت عن نفض فرنسا يدها من المبادرة التي أطلقها رئيسها ايمانويل ماكرون في 1 أيلول الماضي لمناسبة مئوية إعلان لبنان الكبير،من دون تسجيل أي حراك، معلن بين المقرات، على الرغم من عودة الرئيس المكلف سعد الحريري إلى بيروت وسط أسئلة مثيرة، من يصلح ذات البيت، ويكبح عنتريات الاقوياء في طوائفهم وتكتلهم وتياراتهم، الأمر الذي دفع النائب السابق وليد جنبلاط إلى التأكيد ان نظرية الرئيس القوي هي أكبر مصيبة على لبنان، وان طلب دول الخليج حياد لبنان محق .الامر الذي يعني أن مرحلة جديدة من الصراع الحكومي في لبنان من المفترض أن تنطلق في الوقت عينه،ربما ربط كثيرون إستحقاق تشكيل الحكومة بموعد مغادرة ترامب، بينما آخرون اعتبروا أن المشاكل داخلية وما عرقل عملية التشكيل هو الخلاف العميق بين رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري. 

 

مصدر هذا الربط بين الحدثين، يعود بالدرجة الأولى إلى أنّ العديد من الأفرقاء المحليين عمدوا، طوال الفترة الماضية، إلى الربط بينهما، فمنهم من كان يتهم حزب الله بأنّه لا يريد تشكيل حكومة قبل الإنتخابات الأميركية، على قاعدة ربط الملف اللبناني بملف المفاوضات الأميركية الإيرانية، ومنهم من كان يتحدث عن أنّ رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري لا يستطيع المبادرة في ظل ولاية ترامب، نظراً إلى تلقّيه تهديدات بوضعه على قائمة العقوبات في حال تأليفه حكومة تضم ممثلين عن حزب الله، سواء كان ذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة. 

 

بالنسبة إلى بعض المصادر، تعتبر الإنتهاء من الإستحقاق الأميركي من المفترض أن يقطع الشك باليقين لكنها تجزم منذ اليوم أن المشكلة في مكان آخر يبتعد كلياً عن واشنطن، نظراً إلى أن حجم التوترات المحلية التي تتزامن مع واقع صعب في لبنان على مختلف المستويات المالية والإقتصادية والإجتماعية، يجعل من المستحيل الوصول إلى إتفاق على تشكيل أي حكومة، وهو ما كان يحصل، في السنوات الماضية، عند أي إستحقاق من هذا النوع.

 

إقرأ أيضا : الحكومة العتيدة مؤجلة حتى إشعار آخر

 

 

فمن وجهة نظر بعض المصادر ، الأزمة الحقيقية تتخطى ما يُحكى في بعض الأوساط عن خلافات شخصية بين كل من عون وباسيل والحريري، حيث تشير إلى أنها تكمن في النظرة التي لدى مختلف الأفرقاء لمستقبل البلاد، لا سيما بالنسبة إلى المواعيد التي قد تكون مصيريّة في العام المقبل، وتذكّر بأن العام 2022 سيشهد 3 إستحقاقات إنتخابية هي الإنتخابات البلدية والإختيارية، الإنتخابات النيابية والإنتخابات الرئاسية.

 

في هذا الإطار، تلفت المصادر السياسية المطلعة إلى أن الواقع الراهن في البلاد يفرض أن تكون هذه الإستحقاقات مصيرية، بالنسبة إلى الجميع، بسبب التحديات التي أفرزها حراك السابع عشر من تشرين الأول من العام 2019، خصوصاً على مستوى ظهور تجمعات سياسية جديدة، حتى ولو لم تتبلور بشكل واضح تريد أن تنافس تلك القوى، وتعطي مثالاً على ذلك ما حصل في بعض الإستحقاقات النقابية والطلابية.

 

 

بالتزامن، تعتبر هذه المصادر إلى أن القوى التقليديّة خسرت أحد أبرز الأوراق التي كانت تستخدمها في السنوات الماضية، أيّ الزبائنيّة السّياسية، حيث كان المثال الأوضح على ذلك ما حصل قبل الإنتخابات الماضية في العام 2018، لناحية إقرار سلسلة الرتب والرواتب، دون الأخذ بعين الإعتبار التداعيات المالية بالإضافة إلى عملياّت التوظيف غير القانوني.

 

في المحصلة، تجزم المصادر نفسها بأنه بعد البقرة الحلوب، ستلجأ الطبقة السياسية إلى تعزيز الصراعات الطائفيّة والمذهبيّة.

 

إن حال إنعدام المسؤولية الوطنية من قبل المعنيين بتأليف الحكومة، والتمسك بمطالب أقل ما يقال فيها أنها تافهة أمام حجم التحديات التي تواجه اللبنانيين صحيا وإجتماعيا وإقتصاديا، سيؤدي الى تسريع الانهيار على وقع تفشي كورونا وعدم القدرة على مواجهته، والفوضى الشعبية الحتمية بعد رفع الدعم الآتي لا محال طالما أن التجاوب مع المبادرات معدوم، والجمود الحكومي مستمر ومؤسسات الدولة تتجه نحو التحلل، وبالتالي فإن الارتطام الكبير المنتظر بات وشيكا جدا، وعندها سيجد لبنان نفسه أمام إنهيار شامل غير مسبوق .