إن المؤمنَ العاقلَ لا يُمكِن أنْ يختلَّ تُوازنُه تحتَ تأثيرِ ريشةِ رسّامٍ مخمورٍ يُخرج أمةَ المليار ونصف من عَقلها وعِقالها وتتصرف كالمراهق،حيث يمتاز المسلمُ الحضاريُّ الواعي بحسِّ المسؤوليةِ ومدْرِكاٍ لوَقْعِ الكلمةِ الهادفةِ والبناءَة، ويمتلك رؤيةً آمنةً تحفظُه وتَحْمي حاضرَ ومستقبلَ الأمةِ والجالية المؤتَمن على مصالحها الخاصة والعامة،ألَا فطوبى للعقلاء.
 

المرجعياتُ الروحيةُ والسياسيةُ قاطبةً استنكرتِ الرسومَ المسيئةَ للنبيِّ محمد،والبعضَ منها بالغَ في الإستنكار من أجل استيعاب حالة الغضب الشعبوية واستثمارها في الإستقطاب لمشروعه السياسي. 

ولكن السؤال الذي يطرح نفسَه بنفسِه: 

- أَوَلَيسَ البعضُ من المسلمين وعندَ أيِّ خلافٍ مع زوجته أو نزاعٍ مع أخيه وجارِه يَنطلِقُ لسانُه كالرصاص لشتم الذات الإلهية وشخصية الرسول محمد كالمخمور؟

 

- أليس البعضُ منّا مُستعِدٌّ لقتلِ جارِه وضربِه من أجل انتخاباتٍ بلديةٍ ونيابيةٍ ومصالحَ حزبيةٍ أو صراعٍ على قطعةِ أرضٍ بين جارَيْن أو شقاقٍ بين الأشقَّاء بسبب ميراثٍ تُقضَم فيه حقوقُ البنات؟،وهذا أمر يُحزِنُ ويُبكي النبيَّ محمداً ويُغضِبُه أكثرَ من الرسوم الفرنسية بألف مَرَّةٍ مُرَّة.. 

 

- أوليسَ تحويلُ الاختلافِ بين الإخوةِ السُّنةِ والشيعةِ إلى ميدانٍ للقتال،صراعٌ تُستَخدَم فيه مصطلحُ النواصبِ والروافضِ وبثُّ خطابِ الكراهية ولعنِ الآخر وتكفيرِه والتحذيرُ منه؟فيما هذه الحالة الشاذة أشدُّ خطراً من صُوَرِ الرسومِ المسيئةِ للرسولِ ورسالتِه السمحة... 

 

- أليسَت ظاهرةُ التكفيرِ بين الإخوة الوهابية والصوفية والإخوان والتحرير والأحباش كألف ضربةٍ بالسيف والخنجر في جسد الأمة المُمَزَّق؟ألم يلجأ أحدُهم وكِلاهُم إلى قذف الآخر واتهامِه والشَّك في دينه وعقيدتِه والوصول إلى مرحلة التضارب بالآلات الحادة والإشتباك بالأيادي والتنابز بالألقاب والتهديد والوعيد بينهم وشبكة التواصل شاهدٌ حيٌّ يُرزَق،ونأسف أنَّ كلّاً منهم يُدرِّس الإسلامَ حسبَ المرجعية التي تمولُه كحالةِ الأحزاب السياسية،والسؤال ألم يجرحوا بتفرُّقِهم وتقاتلِهم مشاعرَ الرسولِ أكثَرَ ممَّا آذَتْه الرسومُ الفرنسية المسيئة؟ وألَم يكنْ تلك السلوكيات فيها إهانة كبرى القرآن الكريم الداعي لمفهوم الأمة الواحدة( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقُوا..) ؟

 

- ألم ترسم داعشُ وأخواتُها صورةً سلبيةً وسيئةً لرسول السلام والتسامح والإنسانية والعفو والغفران والصفح الجميل ؟

- أيُّهما أشدُّ إساءةً أهي الرسومُ الفرنسيةُ أو الدنماركية أم  ارتفاعُ حالاتِ الفقرِ والبطالةِ والجوع والحرمان في بلاد المسلمين رغمَ وفرةِ المواردِ والموادِ والطاقاتِ البشرية.. ؟

 

- وربِّ الكعبة لو جالَ النبيُّ محمدٌ اليومَ مناطقَ المسلمين ورأى بعينيه مظاهرَ الإهمال في نظافة الشوارع والأحياء والبلدات،وشاهَدَ طريقةَ الأبنية العشوائية والكثافة البشرية التي هي رقمٌ فائضٌ وعددٌ زائدٌ لم يُضِفْ قيمةً لها تمايُزُها كالشامة بين الناس كما أَمَرَ،وزارَ مناطقَ المسيحيين واليهود وأقام مقارنةً بينهم لَضَربَ على رأسه مُتَحسِّراً قائلاً: اللهمَّ إني أَبْرأُ إليكِ مِن هؤلاء،فلا هُم منِّي ولا أنا منهم،ولا أعرفهم ولا هم تَعرَّفُوا عليَّ حَقّاً،فلَم يَرسِموا لي وعنِّي إلا أسوءَ الصُّوَرِ وأضرَّها على رسالتي وشخصيتي وسيرتي. 

 

- وأيُّهما الأكثرُ إساءةً للنبيِّ محمدٍ أهي الرسومُ الفرنسية أو الذي يعتبر الاحتفالَ والفرحَ بمولد النبي محمدٌ بدعةً وضلالةً ومصيرُهُ نارَ جهنمَّ وبئسَ المصير بل ويَسخر منها ومِن رُوادِها؟

 

- أوليسَ ارتفاعُ نسبةِ الأميةِ في الوطن العربي والعالم الإسلامي وجهلُ المسلمين بدينهم وقرآنهم ولغتهم وحضارتِهم وتراثِهم وفكرِهم هي أشدُّ هَتْكاً وفَتْكاً وفِتنةً من ألفِ رسمةٍ فرنسيةٍ مُسيئة… ؟

 

- أوليستِ الدعوةُ إلى مقاطعة البضائع الأوروبية نوعٌ من استخفافٍ بالعقول؟ والسؤال هنا فهل نحن أمة منتِجَة أم بلادنُا أسواقاً تعتمد على الإستيراد  وشعوبٌ مستهلِكة تعتاش على مُخترعات عقولِ الغربِ من الإبرة الى الطيارة وحتى

القمح؟وهل بمقدور الطبقة الوسطى فما دونَها أن تَشتريَ البضائعَ الأوروبيةَ الباهظةِ الثمن… ؟

 

-  إنَّ أكبرَ شتيمةٍ وإهانةٍ ومَهانةٍ وتحقيرٍ وإجرامٍ بحقِّ الإسلامِ ونبيِّه محمدٍ ما تقوم به( بعضُ) المعاهدِ الدينيةِ السنية عوضاً عن الشيعية ذات المناهج المتعارِضة والمتناقضة والتي لا تصلح للتربية والتعليم والتدَيُّن والتي قادتُها وتلامذتُها

وأساتذتُها يُكفِّرُ ويُفسِّقُ ويَطْعن ويَلعَن بعضُها بعضاً جهاراً،وهم مختلفون في المناهج الفقهية والعقائدية والفكرية،فتكون النتيجة تخريجُ جيلٍ لا يُتقنُ سوى لغةِ التكفيرِ والتنفيرِ وإخراجِ الناسِ من دين  الله أفواجاً،ويتحوَّلون إلى أعداءٍ للأمة  ومعولٍ لهدمِ الوطنِ وخرابِ المجتمع وتشويهٍ لحضارة الإسلام الرائعة.   

- ختاماً فإن المؤمنَ العاقلَ لا يُمكِن أنْ يختلَّ تُوازنُه تحتَ تأثيرِ ريشةِ رسّامٍ مخمورٍ يُخرج أمةَ المليار ونصف من عَقلها وعِقالها وتتصرف كالمراهق،حيث يمتاز المسلمُ الحضاريُّ الواعي بحسِّ المسؤوليةِ ومدْرِكاٍ لوَقْعِ الكلمةِ الهادفةِ والبناءَة، ويمتلك رؤيةً آمنةً تحفظُه وتَحْمي حاضرَ ومستقبلَ الأمةِ والجالية المؤتَمن على مصالحها الخاصة والعامة،ألَا فطوبى للعقلاء…