لا يحجب التوضيح «اللغوي» الذي تعمّد وزير الشؤون الاجتماعية ريشار قيومجيان إبرازه من باب تخفيف وطأة سجاله مع رئيس الجمهورية ميشال عون بعد تناوله المجلس الأعلى اللبناني - السوري مستعرِضاً حقبة «الإحتلال السوري»، الإشاراتِ السلبية التي يرسلها «مرصد» العلاقة الملتبسة بين «التيار الوطني الحر» و»القوات اللبنانية».
 

عملياً، إنتقلت العلاقة من تفاهم ثنائي وُصف بأنه «تاريخيّ» كونه وَضع حدّاً لـ«عداوة تاريخ وجغرافيا» عمرها عشرات السنين، وساهم في إيصال عون إلى قصر بعبدا ودخول سمير جعجع، في المقابل، «نادي الزعماء المسيحيين» على صهوة التمدّد الشعبي الذي أظهرته صناديق الانتخابات النيابية بعد «تطهير» سجلّه السياسي... إلى خصومة متجددة تعيد إشعالَ النار الهامدة تحت الرماد.

إذ لم يوفّر وزير الخارجية جبران باسيل فرصة المحاولة لإبقاء شركاء «إعلان النوايا» خارج «حكومة الى العمل»، لو جاراه حلفاؤه، للتخفيف من «وزن» اعتراضهم «الزائد»، بعد مسار طويل من المعاناة الناجمة عن الخلافات التي شهدت عليها حكومة العهد الأولى التي وُلدت في كنف التناغم العوني - القواتي.

وقد أقرّ باسيل خلال مؤتمره الصحافي في 2 شباط، أنّ «العلاقة «خُدشت ولكنّ المصالحة بقيت»، لكنه لمّح إلى السعي للعودة إلى روحية الاتفاق وتعزيز العمل الحكومي وإيجاد آلية التنسيق المشترك «التي توصلنا الى النتائج المنصوصة في الاتفاق».

إلّا أنّ مسارعة الفريق الرئاسي إلى الغوص في الملفات الخلافية، أثار استنفار «القوات» التي وجدت نفسَها في مواجهة تلقائية مع العونيين على خلفية ملف تطبيع العلاقة مع سوريا، وذلك على أثر الزيارة السريعة التي قام بها وزير شؤون النازحين صالح الغريب إلى سوريا، وأعادت رفع المتاريس بين الفريقين.

وحدها «الزلَّة الكلامية» للنائب نواف الموسوي، قلّصت المسافة بين «ميرنا الشالوحي» و«معراب»، فالتقى الفريقان عند خطّ الاعتراض على كلام نائب «حزب الله» ودفع الأخير إلى التراجع عنه. أما غير ذلك، فتبدو العلاقة مشروع اشتباك قائم، تصبّ الانتخابات الرئاسية زيتها على ناره.

لكنّ معراب تدرك جيداً أنّ مشوارها الحكومي لن يكون سهلاً. ولذا هي تحاول استنهاض جبهتها الثنائية مع الحزب التقدمي الاشتراكي على رغم «موسمية» مواقف الأخير، خصوصاً أنّ المسافات تزداد بينها وبين «بيت الوسط».

ولربما هذا ما يفسّر «الهجمة الإصلاحية» التي قادها كل من النائب جورج عدوان والأمينة العامة لحزب «القوات» شانتال سركيس في حق الوزير جمال الجراح، ما أثار انزعاج رئيس الحكومة سعد الحريري، واستطراداً، تنشيط الاتصالات بين الفريقين لتوضيح الكلام.

في المقابل تحاول معراب التخفيف مقدار ما تستطيع، من حدّة خصومتها مع «حزب الله» فتذيب شيئاً من جليد جبال الخلافات الاستراتيجة لترفع من بنيان التلاقي حول المسائل الداخلية وأبرزها مكافحة الفساد، وذلك في سبيل تهيئة الأجواء قبل الاستحقاق الرئاسي.

وتقود هذه المعطيات إلى تساؤلات حول مصير العلاقة بين شريكي «اعلان النوايا»: هل ستكون جلسة مجلس الوزراء الأخيرة نموذجاً لما سيأتي من جلسات؟ أم أنّ هناك مساراً جديداً للعلاقة في ضوء إعلان باسيل عن تأليف لجنة التنسيق المشتركة؟ أم أنّ الانتخابات الرئاسية ستفرض قيام جبهات جديدة؟

أجندة خارجية
خلافاً للسائد، يقول العونيون إنّه «لا يفترض أن يتحكّم الاستحقاق الرئاسي بيومياتنا وتفاصيلنا الحياتية وإن كان من حق أيِّ ماروني أن يكون مشروع رئيس، ولكنّ الأمور مفتوحة على كثيرٍ من المتغيّرات التي من شأنها أن تبدّل المشهد». وبالتالي، يعتبرون «أنّ الالتقاءَ حول مشاريع حياتية لا تحدّه خصومة»، ويسألون: «ما علاقة النفايات أو مشاريع الصرف الصحي، على سبيل المثال، بالانتخابات الرئاسية؟»

ويشير العونيون إلى أنّ «القوات» دخلت الحكومة مع «شمعة مشاكسة طولها» يرفض وزراؤها الكلام مع بشار الأسد بحجة عدم منحه غطاءً دولياً وكأنّ الأسد ينتظر لبنان لتأمين هذه المظلة، مع أنّ أولوية لبنان هي حلّ أزمة النازحين، وإذا تبيّن أنّ النظام السوري يرفض معالجة هذه الأزمة، يتعهّد «التيار الوطني الحر» بالانتقال إلى جبهة الاعتراض ضدّ النظام السوري، حسب العونيين.

إلّا أنّ «القوات»، حسب العونيين، قررت التعاطي مع هذه المسألة «على قاعدة اعتبار خشبة الإنقاذ وكأنها قطعة إغراق حديدية، ما يؤشر إلى سلبية مسبقة تحكم العقلية القواتية». ويقولون «إنّها مزايدة غير مقنعة لا تصب في المصلحة الوطنية وإنما تنمّ عن استجابة لأجندة خارجية». ويؤكدون «أنّ «التيار» منفتح على التعاون مع أيّ فريق، لكنّ وزراء «القوات» اختاروا النَفَس الهجومي بعد مبادرة باسيل الانفتاحية، ولو أنهم يعرفون جيداً أنّ الناس «قرفت النقار».

في النتيجة، العلاقة بعد كل مطباتها، باتت «على القطعة»، وهي مشروع اشتباك بمقدار ما هي مشروع التقاء.

مؤشرات مقلقة
وحسب نظرة «القوات» فهي «لا تتوسّل الاشتباك من باب الكسب الشعبوي، ولا تعبّر مواقفها إلّا عن إقتناعات قيادتها، وبالتالي هي ستتصدى لأيِّ تجاوز سواءٌ صدر عن حليف أو صديق أو خصم. المعيار هو تطبيق القانون».

وإذ تتمنى «أن يتّعظ الجميع من مشهدية الجلسة الأخيرة لتكون الجدية السياسية قاعدة التعامل، خصوصاً في مسائل لا تحتمل التأويلات»، تشير إلى «أنّ وزراء «القوات» رغبوا منذ بداية الطريق وضع الأمور في نصابها السليم تلافياً لتجاوزات قد تحصل بالجملة»، لافتة إلى أنّ «الالتباس كان من الممكن أن ينتهي في لحظته بمجرّد تعهّد رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة تطبيق سياسة «النأي بالنفس»، إلّا أنهما أخذا الأمور في اتجاه تحريفيّ يتهم «القوات» بالسعي الى إبقاء النازحين مع أنها تؤيّد خطة رئيس الجمهورية». وتقول مصادر «القوات»: «نحن دخلنا مجلس الوزراء على قاعدة تصفير المشكلات مع الجميع ونأمل في أن لا تكون انطلاقة الحكومة متعثرة. كل ما نأمله هو الاتفاق على قواعد مشتركة داخل الحكومة بغية الابتعاد عن التأزّمات لأنها تؤثر على جوهر العمل الحكومي».

ولا تنفي المصادر أنّ المرحلة المقبلة ستكون مرحلة «تقاطعات على القطعة» متمنية أن يُصار الى احتواء الأزمات، وأن تبقى الخلافات محصورة ومحدودة. وإذ تشير إلى أنّ «القوات» منفتحة على التعاون مع كل القوى السياسية بما فيها «التيار الوطني الحر» على قاعدة إبعاد الملفات الخلافية، تلفت إلى أنّ جلسات الأشهر المقبلة ستحسم طبيعة التعاطي. إلّا أنّ ثمّة مؤشرات غير مطمئِنة، «لأنّ ثمّة أطراف، وربطاً بالاستحقاق الرئاسي، تريد أن تتصرف على غرار ما شهدناه في الجلسة الأولى». أما في شأن آلية التنسيق المشتركة، فتؤكد أنّه «لو تمّ احترام الآلية المنصوص عنها في «تفاهم معراب» في الحكومة السابقة والتي تقول بضرورة تأليف لجنة من الطرفين لدرس جدول أعمال مجلس الوزراء لكنّا تلافينا التباينات أو حيّدناها. نتمنى تأليف اللجنة، لكن لا نعتقد أنّ باسيل في هذا الوارد».

وعلى العكس تماماً، تتحدث المصادر عن «محاولة لتطويق «القوات» داخل مجلس الوزراء الأمر الذي لن يحصل لأنّ المسائل مفتوحة على تقاطعات بالمفرّق والجملة». وفي الخلاصة «العلاقة تراوح على ما هي عليه، فيما المؤشرات غير مطمئنة».