كيف تتحول الثورة الى نظام استبدادي؟
 

إن الشيعة وعلى مدى العصور تفرقوا بالفكر السياسي إلى عدة فرق ومنهم الشيعة الإمامية الإثنا عشرية الذين يؤمنون بإمامة المعصوم ويأخذون بحديث الإثني عشر إماماً وكلهم من قريش، ويؤمنون بأن الفكر السياسي يجب أن يتصف بصفة العصمة وأن الله وحده يجب أن يعيِّن الحاكم والإمام ويجب أن تكون الإمامة حصراً في نسل علي عليه السلام إلى يوم القيامة.

وبعد وفاة الإمام الحسن العسكري عليه السلام وصل الفكر السياسي الشيعي إلى حائط مسدود، لأنه إنتقل الى جوار ربه ولم يُعلَم أنّ له ولداً فولدت حينذاك  حركات سياسية مختلفة،  مع الإدعاء أن للحسن العسكري ولد، وأن الإمامة مستمرة فيه ولكنه غائب عن الأعين.

وفي ظل هذه الرواية قامت نظريات سياسية عدة،  وارتكزت على حرمة إقامة الدولة في غياب الإمام المعصوم، وظهرت الكثير من الروايات تقول:  "أن كل راية قبل ظهور المهدي هي راية ضلال وصاحبها طاغوت"

 وحتى أن البعض حرم إقامة صلاة الجمعة في ظل الغيبة فضلاً عن إقامة الحدود، فكانت هذه النظريات هي المعوِّق الأساسي لنشوء الفكر السياسي الشيعي الإمامي الإثنا عشري، فكانت حركة "المستبدة" والتي تقول بعدم جواز الشورى وأن للملك أن يحكم بصورة مطلقة ومستبدة وعليه فقط أن يكون حائزاً على رضى المراجع ووكلائهم.
وكانت هذه النظرية سائدة في العهد الصفوي والقاجاري.

 وأيضاً هناك الحركة "الحجتية" نسبة إلى إنتظارها لظهور الحجة المهدي وهي حركة دينية تحرّم العمل السياسي، وكانت حركة سلبية بالمطلق، وقد نشأت كردّ فعل على الحركة "البهائية" والتي انشقت بدورها عن حركة شيعية أخرى في القرن التاسع عشر وهي الحركة "الشيخية" الإخبارية والتي أنشأها ونظَّر لها الشيخ أحمد زين الدين الإحسائي، فكانت دعوته التبشير بظهور المهدي على رأس الألفية الهجرية، ولكنه مات ولم يظهر المهدي كما إدعى فخلفه السيد كاظم الرشتي وواصل حركته وادعى أن المهدي سوف يظهر سنه 1260 للهجرة.

وهذا الشخص قد مات أيضاً ولم يظهر المهدي فادعى أحد تلاميذه أن روح المهدي قد حلّت به وأنه باب الإمام وأسموا حركته "بالبابية" ومن بعدها قال أنه المهدي فتطورت هذه الحركة إلى الحركة البهائية الذين كانوا يقولون بأن المهدي سوف يأتي بدين جديد فأنشأوا لهم هذا الدين الجديد والذي إنتشر في إيران، فكانت هذه الحركة توالي الشاه وتنتظر المهدي .

وفي أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين قامت عدة تيارات قومية ووطنية وديمقراطية فكانت الحركة الدستورية الديمقراطية قبل مئة عام في بدايات القرن العشرين، حيث طالبت بوضع دستور للمملكة "القاجارية" ، وهذا نمط جديد بالفكر السياسي الشيعي، فطالبت الملك بوضع دستور وعليه أن لا يحكم حكماً مطلقاً.

 وبالتزامن مع توقيع الملك ناصر الدين شاه على إتفاقية التنباك المشهورة مع الشركة البريطانية والتي جعلت من الإيرانيين مزارعين وتجارا خدما عند الشركة البريطانية، وبعد مراجعة المرجع الشيعي آنذاك السيد محمد حسن الشيرازي والمقيم في سامراء حينها، فكان إعلانه الشهير بأن أي استعمال للتنباك زراعة وتجارة واستهلاكاً كأنه محاربة للإمام المهدي.

اقرا ايضا : ماذا ينتظر إيران بعد خامنئي؟

 

فكانت تلك أول خطوة عملية بإتجاه تطور الفكر السياسي الشيعي عملياً 
فنشأت حركة دستورية تطالب بالقوانين وإنشاء برلمان وقد خاضوا نضالات عدة حتى إنتزعوا من الملك مظفر الدين شاه أن يُقِرَّ دستوراً للبلاد سنة 1906 وكانت هذه الحركة بقيادة الشيخ الآخوند والمقيم بالنجف الأشرف.

وعند استلام محمد علي شاه ألغى الدستور وقتل الناس بالشوارع، وهاجم المعتصمين بالبرلمان الى أن جاء إنقلاب رضا شاه الذي أمعن بالحكم الإستبدادي والعسكري، إلا أنه أعاد البرلمان ولكنه برلماناً فارغاً
من مضمونه السياسي والتشريعي إلى أن جاء الإمام الخميني وقام بثورة ظاهرها على الشاه ولكنها بالواقع هي ثورة على الفكر السياسي الشيعي الإمامي الإثنا عشري.

الخميني قد ورث كل تلك الحركات السياسية الشيعية السابقة، 
وقد خالف بذلك جميع المراجع ونظريات الحكم في آن، فقد كان الفكر السياسي جامداً ومتحجراً قبل قيام الإمام الخميني بحركة تغييرية،  ونقض كل ما كان يقوله السابقون من المراجع والفقهاء، فقال بإمكانية حكم الفقيه وعلى الفقهاء أن لا يتركوا الحكم للجهلة  والفساق،  وما هذه الثورة في الحقيقة إلا ثورة على الفكر الشيعي الإمامي الإثني عشري.

فكيف للإمام الخميني أن ينقلب على كل تلك الأفكار التي أسست لمقولة غياب المهدي وفي الوقت نفسه يؤمن بالمهدي الغائب ؟!!!!

وبالمقابل أبقى شعاراته غامضة حيث أنه لم يحدد حدوداً للولي الفقيه، ولكنه ترك له سلطة مطلقة وغلفها بغلاف من الشورى وأسماها جمهورية إسلامية،  وما هي بالواقع إلا حكماً إستبدادياً قهرياً ظاهره الديمقراطية وباطنه التفرد بإسم الدين .

إذن هي ثورة على المفاهيم السياسية للشيعة الإمامية الإثني عشرية والديمقراطية معاً.
 فالشيعة أسسوا لفكرهم السياسي بأدلة عقلية ضاربين عرض الحائط بالنص القرآني الذي قال وأمرهم شورى بينهم.