منذ اندلاع نار المعارك العسكرية في الهشيم السوري لتأكل أخضره واليابس، وتشريع الحدود اللبنانية على مصراعيها لاستقبال مئات آلاف الهاربين من الدم والبارود، إنضمّ ملف النازحين إلى رزمة الملفات الخلافية التي تقسّم الداخل اللبناني بين مؤيّد ومعارض.
 

لا يقلّ الدوي الذي أحدثته «القنبلة» الروسية المتمثّلة في إعلان موسكو تسريع عودة النازحين السوريين إلى بلادهم، عن تلك التي سبّبها «الإنقلاب المُخملي» في مواقف الرئيس المكلف تأليف الحكومة سعد الحريري وفريقه السياسي حيال هذه المسألة.
فجأة قرّر الحريري مجاراة رياح التغيير التي هبّت من العاصمة الفنلندية، عقب القمة الأميركية - الروسية في هلنسكي، ليقف في مَقدِم الصفّ اللبناني المشجّع على تسريع العودة الآمنة للنازحين... وكأنّ الذاكرة اللبنانية ثقبت على عجل وابتلعت محاضر السجالات و»الحروب الناعمة» التي خاضتها القوى السياسية على مرّ الأزمة السورية، على خلفية الموقف من النازحين.


منذ اندلاع نار المعارك العسكرية في الهشيم السوري لتأكل أخضره واليابس، وتشريع الحدود اللبنانية على مصراعيها لاستقبال مئات آلاف الهاربين من الدم والبارود، إنضمّ ملف النازحين إلى رزمة الملفات الخلافية التي تقسّم الداخل اللبناني بين مؤيّد ومعارض.


تعددت المقترحات والخطط، والأزمة واحدة: فريق ينظر بعين الريبة إلى «إقامة» جحافل السوريين الموزعين على مخيمات البؤس والحرمان والأحياء الشعبية، قد تطول وتتحول مشروع توطين مقنّع. وفريق آخر يغلّب الاعتبارات الانسانية والاجتماعية على ما عداها متبنّياً وجهة نظر المنظمات الدولية المحذّرة من عودة غير مضمونة أو غير محمية برعاية دولية، قد تنتهي بعمليات ثأر واعتقال ممنهجة ومنظمة.


لكنّ عمق الإشكالية في مكان آخر: هل يجب ترك ورقة النازحين إلى حين صَوغ الحل السياسي النهائي في سوريا؟ أم يجوز، أو في الأحرى، هل من الممكن تحييدها في الوقت الضائع والدفع في اتجاه التخفيف من عبئها عن الكاهل اللبناني؟ إذ لم تمض بعد أسابيع قليلة على «الحرب الناعمة» التي اشتعلت بين رئيس الحكومة سعد الحريري ووزير الخارجية جبران باسيل على خلفية تهديد باسيل تعليق العمل بإقامات موظفي المفوضية العليا لشؤون النازحين، «المتهمين» بتخويف النازحين الراغبين في العودة إلى بلادهم، ما دفع بفريق الحريري إلى توجيه انتقادات حادّة لسلوك باسيل.


وهذا الأداء ليس مستجداً على «أجندة» رئيس «التيار الوطني الحر» الذي يطالب منذ العام 2013 بإغلاق الحدود مع سوريا لوقف تدفّق اللاجئين. الجديد هو موقف من قابلوه يومها بـ»ثورة غضب» عارمة شارك فيها مَن يدقّ اليوم جرس الإنذار حول مخاطر هذه «القنبلة» البشرية وعلى رأسها «القوات اللبنانية».


أمّا الحريري فصار لسان حاله: «مسابقة الزمن لمساعدة الأشقاء السوريين على توفير مقوّمات العودة الآمنة والسريعة الى ديارهم، ورفع أعباء النزوح الاجتماعية والاقتصادية عن كاهل المجتمع اللبناني».


وفي أي حال فإنّ ملامح استدارة رئيس تيار «المستقبل» من ضفّة الرفض المطلق للبحث في العودة، إلى ضفة «القبول بالأمر الواقع» ظهرت مع منحه موافقة ضمنية على التنسيق الثنائي الذي يتولّاه المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم مع سوريا من خلال تنظيم رحلات عودة فردية للراغبين من السوريين في اجتياز الحدود عن طريق الهبوط الآمن على أرض الوطن.


ومن ثم «تطنيشه» على مبادرة «حزب الله» في تشكيل لجان محلية لمساعدة النازحين الراغبين في العودة، من خلال إعداد جداول تتضمن أسماءهم وإرسالها إلى سوريا بعد التنسيق مع الأمن العام لتسهيل عودتهم وتسريعها.


وفق أحد المطلعين، فإنّ النظام السوري يتطلّع إلى تنسيق «الندّ للندّ»، يفترض أن تقوم به الحكومة اللبنانية رسمياً. ولكن لا مانع من «تجيير» هذا الدور إلى حليفه اللبناني، أي «حزب الله»، طالما أنّ الانقسام يكبّل السلطة التنفيذية. ولهذا أخذ «الحزب» على عاتقه المبادرة من دون الخروج عن الآلية الرسمية التي أحدثها الأمن العام. ولهذا أيضاً بَدت الضاحية الجنوبية في حالة ترقّب لِما يحمله الوفد الروسي إلى لبنان، من منطلق ترحيبها وتأييدها أيّ خطوة تساعد على تسريع العودة، لأنها تهتم بالهدف لا الوسيلة. لكنّ السؤال المحوري هو حول موقف الحكومة السورية من التفاهم الدولي.


يقول المطلعون إنه لا يكفي أن يتفق «الجبّاران» على مبدأ العودة الآمنة وعلى آليّاتها التنظيمية، ولا بدّ من أن تكون الحكومة السورية في صلب هذا التفاهم كونها المِعبَر الرسمي لتنفيذ الإجراءات ولكي تكون أكثر فعالية.


وحتى الآن، وحده الموقف الروسي الذي عبّر عنه الوفد الرفيع المستوى، هو الذي ظهّر موقف الحكومة السورية مؤكداً ترحيبها وتأمينها الضمانات الأمنية لكل العائدين.

نازحو مناطق منخفضة التوتر
فالسؤال حول موقف الجهات السورية الرسمية، يصبح مشروعاً حين يتبيّن وفق وزير معني بهذا الملف، أنّ 43% من النازحين الموجودين في لبنان ينتمون إلى مناطق منخفضة التوتر، وبالتالي لا خشية أمنية عليهم، ويفترض أن تكون إجراءات عودتهم مسهّلة. أضف إلى وجود أعداد كبيرة من مؤيدي النظام في لبنان، سبق وشاركوا في الاستحقاقات السورية في سفارتهم في لبنان، ويفترض أيضاً أن تكون عودتهم سريعة من دون الحاجة الى وسيط ثالث... الأمر الذي لم يحصل حتى الآن، إذ انّ تسهيل عودة آلاف النازحين لا يشبه أبداً الحالات التي يرعى الأمن العام اللبناني مسارها في «الإياب». هنا تفيد المعلومات أنّ اللوائح التي عادة ما يتقدّم بها الجهاز اللبناني إلى الأجهزة السورية المعنية تتضمن عادة أكثر من 1000 إسم، فتأتي الموافقة على نحو 50% منهم أو أقل في بعض الأحيان، والأهم من ذلك أنّ هذه الموافقات تحتاج أحياناً أكثر من شهر لكي تسلك الخط اللبناني. وبالتالي، من المستحيل اعتماد الآلية ذاتها لأنّ ذلك يعني الحاجة إلى سنوات لتأمين عودة مئات آلاف النازحين. حتى أنّ «حزب الله»، وحسب ما تؤكد المعلومات، جهّز لائحته الأولى التي تتضمن نحو 1500 اسم ويفترض إرسالها إلى الأجهزة السورية خلال الساعات المقبلة، لينتظر موافقة السلطات السورية التي وعدته بتقديم المساعدة إلى أقصى حدّ.

إجراءات موسعة
ولهذا، فإنّ تنظيم عمليات واسعة تضم آلاف النازحين، يستدعي وضع خطة موسعة تكون فيها السلطة السورية شريكة أساسية لتسريع الإجراءات، والتي قد تتطلب وفق المطلعين الآتي:


• إحداث معابر خاصة لهؤلاء النازحين لتسريع عمليات التدقيق والإجراءات الأمنية.

• التنسيق الكامل بين الأجهزة اللبنانية وتلك السورية لتبادل المعلومات بين الفريقين.

• ربط إلكتروني بين السلطتين المختصتين لتسريع الإجراءات، وعدم الاتّكال على الخطوات الروتينية التي قد تتطلّب وقتاً طويلاً.

• مساعدة الأمم المتحدة من خلال نقل مهماتها من لبنان إلى سوريا، خصوصاً أنّ بعض النازحين قد يحتاجون إلى البقاء في مخيمات داخل بلداتهم في انتظار إعادة الإعمار، مع العلم أنّ المفوضية العليا للاجئين فتحت مكاتب عدة في سوريا وبدأت عملها هناك.