فرَض ملفّ النازحين السوريين إيقاعه بقوّة على الساحة السياسية مجدّداً مع عودة التجاذب الحاد حوله بين القوى الداخلية، خصوصاً بعد إعلان رئيس «التيار الوطني الحر» الوزير جبران باسيل عن قرب استئناف الحياة السياسية والاقتصادية والشعبية بين لبنان وسوريا، الأمر الذي «استفزّ» الفريق المعادي للرئيس بشّار الأسد.
 

والمفارقة، أنّ الاشتباك المحتدم على «جبهة النازحين» يأتي في وقتٍ تعاني فيه السلطة من «عوارض» انعدامِ وزن، والعجز عن اتّخاذ أيّ قرار خارج إطار تصريف الأعمال، بفِعل التأخّر المستمر في تأليف الحكومة الجديدة تحت وطأة النزاع على الأحجام والحصص.


وعليه، يبدو وكأنّ السجال حول طريقة إدارة ملف النازحين يملأ الفراغ في الوقت الضائع، الى حين تأليف الحكومة المرتقبة التي يُفترض بها أن تتصدّى لهذه القضية بعدما باتت أعباؤها تفوق قدرة الدولة والشعب على التحمّل، فيما قرّر «حزب الله» خصخصة المعالجة في هذه المرحلة الانتقالية عبر مبادرته الى إحداث مكاتب تتولّى تسجيلَ أسماء السوريين الراغبين في العودة إلى وطنهم، على أن يتولّى الحزب بعد ذلك التنسيقَ مع الدولة السورية في شأن تسهيل عودتهم.


أمّا على خط «الحزب التقدّمي الاشتراكي»- «التيار الوطني الحر»، فقد ساهم «وقود» النزوح في تسعير نارِ الخلاف بينهما، نتيجة وجودِ مقاربتين متعارضتين لسبلِ التعاطي مع هذا التحدّي. وليس خافياً أنّ «التيار» يرتاب في نيّات «التقدمي» ويشعر بأنّ زعيمه يريد بقاء النازحين في لبنان، بينما يتّهم «كليمنصو» التيار البرتقالي باعتماد سياسة عنصرية وتحريضية ضد السوريين.


وعلى وقعِ الخلاف المتصاعد، قال رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط لـ«الجمهورية» إنّ «عودة القسم الأكبر من النازحين متعذّرة في ظلّ وجود القانون الرقم 10»، محذّراً من «الوقوع في الأفخاخ التي ينصبها البعض». ويضيف: «الحريص حقّاً على رجوع النازحين إلى سوريا يجب أن يدفع نحو إلغاء هذا القانون من أجل تسهيل العودة، «وإذا كانوا يحبّون أن يطلبوا مساعدةً من بوتين وترامب لإلغاء القانون فلا بأس في ذلك»


وعن تعليقه على الدعوات إلى ضرورة إجراء حوار رسمي مع الدولة السورية لتنسيق عودة النازحين، يجيب جنبلاط: «الحوار قائم، بموافقتي أو من دونها، وهناك وزير معروف يزور دمشق كلَّ اثنين.. لا سِرّ في هذا البلد، «وما في شي مخبّى».


وردّاً على إعلان باسيل عن قُرب عودة الحياة السياسية والاقتصادية إلى طبيعتها بين لبنان سوريا، يَعتبر جنبلاط «أنّ أصحاب هذا الطرح يستقوون بالظروف التي ساعدت بشّار الأسد على استعادة درعا، للعودة إلى أيام الماضي، ثمّ يكلّمونك عن السيادة والاستقلال».. ويتابع: «أنا أعرف أنّ الجغرافيا السياسية قد تفرض أموراً معيّنة أحياناً، لكن هذا شيء، وأن يستقويَ فريق سياسي بالانتصارات الميدانية على فريق لبناني آخَر، فهذا شيء آخر مرفوض كلّياً».


ويرى جنبلاط «أنّ الشروط التعجيزية للقانون رقم 10 ونِسَب الدمار الكبير اللاحق بمدنٍ سوريّة عدة، تعني أنّ هناك استحالة حالياً لعودة نِصف النازحين الموجودين في لبنان وتركيا والأردن وداخل سوريا، وأكرّر أنّ المطلوب من بوتين وترامب اللذين اجتمعا في هلسنكي الضغط لإلغاء القانون التعسّفي وتقديم ضمانات للعودة».


وعن رأيه في مبادرة «حزب الله» إلى تسهيل العودة الطوعية والآمنة لِمن يرغب من النازحين، يقول جنبلاط: «لدى «حزب الله» طرُقه، أمّا أنا فأؤكّد موقفي المبدئي من جديد، وهو أنّ المطلوب منحُ الضمانات الدولية الضرروية لوقفِ العمل بالقانون 10 وإعادةُ الإعمار وعدم ملاحقة الذين يَصفهم النظام بالإرهاربيين».


وهل يعتقد أنّ من مسؤولية الحكومة المقبلة أن تبحث في ما إذا كان يجب عليها خوضُ حوار مع الحكومة السورية؟ يجيب جنبلاط: «هناك طرَف هو «التيار الحر» لا ينتظر الحكومة أو غيرَها، بل إنه يرسِل منذ فترة طويلة وزيراً إلى دمشق في انتظام كلَّ اثنين.. لقد استملكوا الدولة اللبنانية واستولوا عليها».

ويضيف: «هذا الطرف لا يعرف كيف يَخسر ولا كيف يربح، وليست لديه حتى الروح الرياضية التي تحلّت بها فرَق كرة القدم في كأس العالم.. كم إنّهم فئويون للأسف».


وختاماً، يقترح جنبلاط على البعض، للخروج من «السجال غير المنطقي»، أن يطّلعوا على الكتاب الذي أعدَّه معهد عصام فارس للسياسة العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت بعنوان: «101 من الحقائق والأرقام حول أزمة اللجوء السوري».. إنه كتاب مفيد جداً، وأنصح به.