المسألة ليست مسألة خطط أمنية بل هي مسألة بالغة الأهمية تتخطى مسألة الخطط الأمنية التي بالأساس ستبقى قاصرة عن تحقيق الهدف المنشود لأن الهدف الأساس هو الإرتقاء بالمجتمع على كافة الصعد
 

عندما تعيش بعلبك الهرمل كمنطقة بكاملها خارج حدود الإنماء، ويعيش اهلها تحت خط العيش الكريم، ويفتقد شبابها إلى فرص العمل لا بدّ أن يكون الفلتان الأمني مصيراً حتمياً خطّته قوى الامر الواقع للبقاع وفي مرحلة ما بعد الانتخابات ازدادت حالة الفلتان الامني وازدادت معها الخضات الامنية في المنطقة بشكل متنقل وكأنها قدر محتوم على يوميات اهلها وبات الموت المتنقل يطبق على مفاصل قراها كما السوار على المعصم، كأن هذا الامر اصبح امراً محتوماً ، بحيث اصبح الخلاص امراً بعيد المنال. 

من بوابة الموت تطل المناطق البقاعية على صفحات الإعلام وشاشاتها بشكل شبه يوميّ وكأن ليس في هذه الأرض إلا القتل والقتل المضاد الذي لم ترد قوى الامر الواقع حتى اليوم سبيلاً إلى وضع نهاية له.

ومع كثرة الحديث أخيراً مع ارتفاع حدة الاشكالات الأمنية في بعلبك الهرمل عن خطط أمنية والضرب بيد من حديد لوضع حدٍ لثقافة الموت المدمرة في المنطقة، واختلف المعنيون بين مطالبٍ بخطة عسكرية حاسمة، وبين مطالبٍ بحل سياسي يقي شوارع بعلبك من إراقة المزيد من الدماء.المسألة ليست مسألة خطط أمنية بل هي مسألة بالغة الأهمية تتخطى مسألة الخطط الأمنية التي بالأساس ستبقى قاصرة عن تحقيق الهدف المنشود لأن الهدف الأساس هو الإرتقاء بالمجتمع على كافة الصعد ومن هنا تأتي مسألة قيام الدولة كضرورة حتمية كحل جذري ليس في بعلبك الهرمل فحسب بل على مستوى الوطن بشكل عام. وفي حال بقي الوضع على ماهو عليه وحتى لو وضع بدل الخطة خطط من اجل ضبط الوضع، فنحن سائرون الى حائط مسدود والى مزيد من تفاقم المشكلة. لان التعاطي من الجانب الامني البحت فقط سيؤدي الى المزيد من التفاقم السلبي والتي لاتؤدي لشيء، الدولة وحدها قادرة على التعاطي الايجابي مع هذه المسألة الخطيرة، وهذا ما يؤكده الفارق الواضح بين مجتمعات متقدمة واخرى متخلفة على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي. مجتمعات تعتمد العلم والمعرفة كأداة استرشاد بينما في الطرف الآخر اعتماد الاسطورة والعاطفة والتمني" وشتان بين الثريا والثرى". 

لقد باتت الحاجة ملحة اليوم واكثر من اي وقت مضى للارتقاء بمجتمعنا وعلى مختلف المستويات وذلك من خلال العمل على بناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، التي تعبر من خلال تكريسها عن فهم عميق وتفاهم مشترك بين افراد المجتمع وعلاقات بين مختلف المكونات الاجتماعية على اسس اخلاقية وانسانية تقوم على التكافؤ والتنافس والتعاون لما فيه مصلحة الجميع وهذا بحاجة للخروج من الدوائر الضيقة والمصالح المحدودة وتجاوز حالة التقوقع والتمحور والتمترس خلف المذهبية والطائفية والعشائرية والعمل على مفهوم الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة التي يتساوى فيها الجميع بعيدا عن التعصب لقضية اللون او العرق او الجنس ان قيام الدولة هذه تعمل على تعزيز الروابط والاواصر بين المواطنين وتحقق حاجاتهم وتطلعاتهم وتكرس حالة وطنية جامعة كما تسهم بشكل كبير في الوقوف امام النزاعات والصراعات على السلطة والنفوذ، كما تؤدي الى تأمين الاستقرار بشكل كبير حتى تنطلق عجلة اللحاق بركب العلم وآفاق المعرفة من أجل تحقيق الأماني والتطلعات على مستوى التنمية والرفاهية والازدهار.

 

إقرأ أيضًا: عن التأخير في تشكيل الحكومة وخيارات الحريري!

 

ان قيام مثل هذه الدولة لاشك انه بحاجة الى الكثير من الجهد والتضحيات والى تقديم التنازلات والى الكثير من التفكير المشترك والحوار المشترك الامر الذي يؤدي الى اشراك كافة الفرقاء على المستوى السياسي بغض النظر عن مواقفهم وخلفياتهم السياسية اوالطائفية حيث لابد من الخروج من واقعنا الذي يراه البعض مأزوما فيما ينظر اليه آخرون على انه طبيعي.

لكن الأكيد أنه واقع جامد وهكذا علينا الاستفادة من التجارب العالمية وما توصل اليه العقل البشري من نماذج على صعيد بناء الدولة والذي قد لا يكون الانموذج الامثل ولا نهاية المطاف ولكن بلا شك انه يمثل اضاءة وعلامة تحول خاصة اذا ما اخذنا بعين الاعتبار ما تحقق خيرا ودينامية تصب في مصلحة الانسان.

ومع هذه التطورات العلمية وفي عالم اليوم الذي اختزل الجغرافيا الى درجة ان العالم بات يعرف بقرية كونية هكذا ينبغي علينا الاستفادة من تجارب الاخرين خصوصا ونحن بامس الحاجة الى ذلك وان نعتبر مما استفاد منه غيرنا وان نعمل على الارتقاء بوعينا الى مستوى المسؤولية السياسية والاخلاقية من اجل الوصول الى تحقيق مطلب الدولة المدنية التي يكون فيها المواطنين هم المحور الاساس والقيمة.

نعم اننا اليوم مطالبون جميعا للقيام بسلسلة من الخطوات السياسية والاعلامية لتسليط الضوء على عنوان رئيسي مهم ومؤثر في واقعنا السياسي والاجتماعي والاقتصادي وهذا العنوان هو الدولة ومكوناتها ومتطلباتها ومقاومة الواقع الذي نعيشه من دون خجل او خوف او تملق حتى لا نبقى أسرى الازمات والجمود والمبررات التي تلعب على وتر العواطف والمشاعر.

هكذا علينا ان نعمل في سبيل الارتقاء بنظامنا السياسي لكي يتحول الى دولة حديثة تتشكل فيه السلطة من خلال نظام قائم على تداول سلمي للسلطة ومن خلال شراكة سياسية حقيقية في صناعة القرار تؤمن للمواطن سبل الحياة الحرة والكريمة.