يبقى اتفاق الطائف هو المرجعية لأي عملية حوار ان صدقت النوايا
 

سيبقى مجتمعنا اللبناني، ولفترة لايستهان بها، يدفع ثمن أفكار ومحرمات و "هرطقات" أمسك بها من يطلقون على أنفسهم محور الممانعة ومنظري المفاهيم الخشبية ومبتكري الكليشيهات. ويستخدموها لضرب أي استقرار وتعطيل كل إنجاز. من بين تلك "الكليشيهات" مسألة "المؤامرة الكونية"، والذي صار مطلباً يطرح ويتغنى به الراغبون في إعادة العجلة إلى الوراء، والمتمسكون بتغييب دور الدولة ومناخ التوتر، كلما تم الإعلان عن مشروع جديد "في أي مجال" أو قرار مهم أو نشأة أزمة سياسية أو اقتصادية أو توتر في علاقة مجموعة بأخرى، وعندما تبدأ الأجهزة الرسمية المنوط بها اتخاذ مواقف أو إجراءات للتعاطي مع التطور الجديد، تقفز على الفور تلك الوجوه المعروفة والمحفوظة والمكروهة لتطفوا إلى واجهة الصورة، ويبدأ أصحابها في إطلاق حناجرهم وتبييض وجوههم ثم يتسابقون لحجز أماكنهم في الاستديوهات أمام الاضواء والكاميرات، أو يجهزون صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي بالاضافة الى الصحف الصفراء ويملأونها بشعارات تطالب بحوار حول هذه القضية أو تلك وتحت عنوان المؤتمر التأسيسي.

إقرأ أيضًا: الإنتخابات ونتائجها وعُقد تشكيل الحكومة بالطبع فكرة الحوار جيدة، إذ من المفيد أن يتناقش الناس في الأمور التي تخصهم أو تمثل إضافة إلى مجتمعهم ليخرجوا بنتائج تنزع السلبيات وتضيف إيجابيات جديدة إلى كل فكرة أو مشروع أو قرار، وأن يدلي المتخصصون بدلوهم ويطرحون رؤاهم ويعرضون على فئات الشعب نظرياتهم تجاه موضوع ما، ويردون على أسئلة الحائرين، ويزيلون شكوك المشككين، ويطمئنون هواجس الخائفين، كلها معانٍ إيجابية يفترض أن ينتج منها توافق عام ورضى شعبي وتفهم وقبول من دون ضغوط أو إكراه، لكن الحوار في مجتمعنا التي جرى اختراقه، وبين أطرافه نخب جرى تدجينها أو شراؤها، وفي ظل ظروف صعبة يتربص بالمجتمع طرف ما هدفه الوحيد هدم الدولة على من فيها يصبح الحوار شيئاً آخر لا علاقة له بالحوار أو النقاش المتحضر، ولا يمكن أن يخرج بفائدة للمجتمع وفي هذا السياق لا بد من الاشارة الى انه يبقى اتفاق الطائف هو المرجعية لأي عملية حوار ان صدقت النوايا.  ووفقاً لمبادئ العلوم السياسية والاجتماعية التي يدركها الباحث المبتدئ فإن فكرة الحوار "نشأت في ضوء ما أفرزته التحولات الفكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية على المستويات الدولية والإقليمية والمحلية من واقع جديد يتطلب جهوداً لاستيعاب هذه المتغيرات وتجنب آثارها السلبية وتطوير فوائدها الإيجابية واحتواء الخلافات حولها"، ولمن يريد مزيداً من التنظير فإن الحوار فرضته نتائج الثورة الصناعية منتصف القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، "حيث ظهرت الطبقة العاملة فكان طبيعياً أن تقيم الطبقة الرأسمالية نظاماً قانونياً يحمي مصالحها، وبالتالي لجأت الطبقة العاملة إلى تكوين نقابات عمالية وشعبية للدفاع عن حقوق العمال والمجتمع المحلي الشعبي في مواجهة أصحاب الأعمال والحكومات"، ويفترض أن يكون الحوار "أداة فعالة تساعد على حل المشاكل والأزمات ويعزز التماسك الاجتماعي عن طريق التفاوض والمشاورات والنقاش والتنازلات وتبادل المعلومات بين مكونات المجتمع أو البلد الواحد" على أن يكون له ثلاثة أطراف: النخب والاحزاب السياسية ورجال الأعمال وممثلو الحكومات للنقاش "حول موضوعات تصب في المصلحة العامة وتعزيز اللحمة الوطنية"..

إقرأ أيضًا:  الإندماج الوطني مظلة تحمي الجميع لكنّ كتب ومراجع ونظريات العلوم السياسية كلها تؤكد أنه لا سبيل لإقامة حوار مثمر إلا بوجود مؤسسات مجتمع مدني قوية ونخب وطنية واعية ومن دون تدخل من أية أطراف مغرضة أو جهات تسعى إلى تحقيق مصالح على حساب أصحاب الحوار أنفسهم. ليس سراً أن بعض اطراف الحوار في لبنان مثلاً يستخدمون منصاتهم الإعلامية لحرف الانظار عن الهدف الاساس للحوار والمتمثل في بحث الاستراتيجية الدفاعية، وفي هذا السياق واستباقاً لدعوة رئيس الجمهورية للحوار تعود بعض الاطراف الى إعادة ترويج ما يسمى بالمعادلة الذهبية "جيش وشعب ومقاومة" من دون ان تحصل هذه المعادلة على الاجماع الوطني العام، وهم في هذه الحالة لا يؤمنون أصلاً بأي حوار مع المخالفين لهم في الرأي أو المواقف، وهدفهم إرباك المشهد وتعطيل الإنجاز، بالطبع فإن اللبنانيين يعتبرون أن وضع استراتيجية دفاعية تكون فيها الدولة والدولة وحدها صاحبة قرار الحرب والسلم تشكل اولوية بالنسبة لعموم اللبنانيين، وعلى هذا الاساس يشكل الحوار على المستوى الوطني مدخلاً لمعالجة اطماع العدو الصهيوني والتصدي لها من خلال تمتين الوحدة الوطنية الداخلية، بحيث تصبح الدولة عبر قواتها المسلحة المسؤولة عن الدفاع عن السيادة الوطنية بالاضافة الى مواجهة اطماع العدو الصهيوني بالمحافل الدولية من خلال الدبلوماسية اللبنانية، على هذا الاساس يصبح الحوار ذي فائدة وفي هذه الحالة يكون الحوار ايضاً حاجة موضوعية ومن خلاله يطرح كل مشروع كبير لحوار وطني قبل الشروع في تنفيذه، وأن يخضع كل قرار إستراتيجي لنقاش عام بين مكوناته قبل صدوره، لأن الدعوة إلى الحوار يجب أن تأتي دائماً من اجل مصلحة الوطن والمواطنين اما إذا كان الحوار من اجل المماطلة والتسويف والإلحاح عليها ليست لمصلحة الوطن أو الناس، وإنما من أجل بقاء الدولة في حالة سكون ولا تتحرك قبل أن يقرروا هم ما إذا كان عليها أن تتحرك، وإذا تحركت فأي اتجاه عليها أن تسلكه، بينما المجتمع نفسه يدرك أنهم ضد إصلاحه أو تطويره أو تحريكه، وإنما إفساده وتعطيله وتدميره.