يحاول الحريري وراثة دور بري السياسي في النظام فهل سينجح في ذلك ؟
 

لا شك أن إستقالة الرئيس سعد الحريري من الرياض وعودته عنها لاحقا شكلت مرحلة جديدة في تاريخ الرجل السياسي. فهو وإن كان  يتزعم تيارا سياسيا كبيرا ممتدا على مساحة الجغرافية اللبنانية ومن مختلف الطوائف والمكونات إلا أنه لم يستطع تسويق فكرة وطنية تيار المستقبل وظل الخصوم والحلفاء ينظرون إليه على أنه تيار السنة الأول في لبنان لعدة إعتبارات مرتبطة بالمقام الأول بالإنقسام الطائفي الذي حصل في لبنان بعد إغتيال والده الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005. مر الرجل بمحطات صعبة جدا ولم يكن دخوله إلى عالم السياسة اللبنانية سهلا جدا فهو إقتحم هذا العالم بلحظة محلية صعبة سبقتها لحظات إقليمية ودولية أصعب أهمها صدور القرار 1559. مع هذا حاول الرجل بعد تزعمه حركة 14 آذار تبني مشروع بناء الدولة فإصطدم بقوى 8 آذار وحصل ما حصل. ظلت الأنظار متجهة نحو الحريري من خصومه وأصدقائه على أنه طرف أساسي في النزاع ولم يدع الرجل أنه يريد غير ذلك لكن ما حصل جراء أزمة الإستقالة الأخيرة وحتى الآن أوحت أن الرجل بدأ يحاول لعب دور جديد مهد له منذ التسوية الرئاسية مع التيار الوطني الحر وحزب الله. فالحريري بدأ شيئا فشيئا بخلع ثوب المقاتل ليرتدي ثوب الحكم والرجل التسووي آملا من خلال ذلك أن يكون مرجعية وطنية يعود إليها جميع اللبنانيين.

إقرأ أيضا : بري لن يقبل بالخسارة مرتين

لكنه واجه مشكلة أساسية في مرحلة ما قبل الإستقالة وهي الغضب السني من سياساته المهادنة لحزب الله والتي إستغلها منافسيه على الساحة السنية ودخلوا معه في مزايدة علنية نتج عنها خسارته في إنتخابات طرابلس البلدية. لكن بعد الإستقالة برز تطور لافت في شعبية الحريري ، فقد عاد العصب العاطفي السني بدرجة كبيرة ليلتف حوله مع عصب وطني من مختلف الطوائف تضامن معه. وهذا العصب الوطني خصوصا داخل الطائفة الشيعية التي كان الحريري في مواجهة مع أقطابها وبالأخص حزب الله منذ 2005 جعلت الحريري أكثر تمسكا بخطابه الهادىء والتسووي مع جرعات من التصعيد ضد حزب الله وهو الذي إستطاع إنتزاع ورقة النأي بالنفس منه ولو شكليا. مع بروز أزمة مرسوم الأقدميات لدورة " ضباط عون " بين الرئيسين ميشال عون ونبيه بري ، سارع الحريري إلى التريث في نشر المرسوم وبدأ العمل على تقريب وجهات النظر بين الطرفين. يحاول الحريري وعلى الرغم من توقيعه على المرسوم إبعاد نفسه عن السجال الحاصل كطرف في المواجهة وليس النأي بالنفس كليا وهو يجهد لممارسة دور الحكم بين الرئاستين الأولى والثانية وفي حال نجح في ذلك سيضرب الحريري أكثر من عصفور بحجر واحد.

إقرأ أيضا : نفق مظلم يدخله لبنان بعد إستقالة الحريري

فهو سيكرس زعامته الوطنية هذه المرة على قواعد ثابتة عنوانها الأساس أنه محل ثقة لدى الرئاستين الأولى والثانية وبالتالي سيصبح هو الحكم بينهما ، لكن هذا الشيء دونه صعاب إلى الآن مع تمسك كلا طرفي النزاع بموقفهما. والدور الذي يجهد الحريري على ممارسته اليوم هو نفس الدور التقليدي الذي رافق مسيرة الرئيس نبيه بري في محطات تاريخية مختلفة والذي بفضله أصبح بري المصلح والحكم في النظام اللبناني. لكن في ظل المواجهة الحاصلة بين بعبدا وعين التينة لا يمكن للرئيس بري أن يمارس دور الحكم لأنه طرف أساسي في النزاع الحاصل على الرغم من رغبة بري الإستمرار في ممارسة هذا الدور. ولا يمكن أيضا للرئيس ميشال عون فعل الأمر ذاته لأنه أيضا طرف في هذا النزاع. يبقى أن الرئيس الحريري قادر وحده على ممارسة هذا الدور  بالرغم من إمتعاض الرئيس بري من توقيعه على المرسوم . فهل سينجح في ذلك ؟ جميع المؤشرات تدل على أن الحريري اليوم في الخارطة السياسية اللبنانية وخصوصا داخل منظومة الحكم ناجح بدرجة متقدمة في نسج علاقات طيبة مع جميع المكونات اللبنانية. فهو على علاقة طيبة مع الرئيس ميشال عون والرئيس نبيه بري والنائب وليد جنبلاط والنائب سليمان فرنجية وحتى حزب الله وهو يحاول إعادة مد الجسور مع الدكتور سمير جعجع. لذلك يتمتع الرجل بهامش مقبول من التحرك لممارسة دوره كحكم وتكريس نفسه كمرجعية في النظام خصوصا في حال مر الإستحقاق النيابي على خير لناحية النتائج. وشيئا فشيئا يعمل الحريري على تثبيت وسطيته والإبتعاد عن الإشتباكات السياسية متسلحا برصيد شعبي من مختلف الطوائف بات ينظر إليه على أنه الرئيس الشعبي الذي يفضل السلم الأهلي على المواجهة. لكن دور الحريري كحكم قد لا يعجب كثر ، فبري لن يروق له هذا الوضع كذلك عون وحزب الله وبالتالي سيواجه الحريري مطبات كثيرة حتى تثبيت هذا الدور وهذا الأمر صعب لكنه ليس مستحيلا.