ما حصل في اللقاء بين الحريري و ولايتي يبقى مبهما فهل حمل الحريري رسالة سعودية لطهران ورفضتها وبالتالي إستقال ؟
 

صادمة كانت خطوة الرئيس سعد الحريري بالإعلان عن إستقالته من السعودية على كافة المستويات وبمختلف المعايير فهي لم تكن متوقعة ومفاجئة للجميع ويجافي الحقيقة من يقول غير ذلك . وإن كانت الإستقالة بالشكل ومضمون بيانها الذي تلاه الحريري غريبا فإنه لا شك يحمل مؤشرات كثيرة لمرحلة جديدة ستبدأ في لبنان مجهولة المعالم والوجهات حيث بالإمكان وصف لبنان حاليا بعد خطوة الحريري أنه دخل في نفق مظلم لا يمكن التنبؤ بكيفية الخروج منه. وما أن أعلن الحريري إستقالته حتى بدأت التفسيرات والتنظيرات لأسباب الخطوة بين من ربطها بقضية مكافحة الفساد في السعودية وبين من رأى فيها خطوة من الحريري للإستثمار السياسي قبل الإنتخابات.

إقرأ أيضا : بري معلقا على إستقالة الحريري : لستُ مصَدّقاً ما جرى !

التصعيد السعودي :

ترافق إعلان الحريري عن إستقالته مع حملة إعتقالات نفذها الأمير محمد بن سلمان ضد عدد من الأمراء والوزراء والنواب السعوديين تحت عنوان مكافحة الفساد في المنطقة. ولا شك أن بن سلمان تقصد هذا التوقيت لغايات عديدة مختلفة عما ذهب إليها العديد من إعلاميي وساسة محور الممانعة. فمن أصبح خبيرا بإستراتيجية بن سلمان للتعامل مع أي قضية داخلية سعودية أو خارجية يدرك أن الرجل عندما يقدم على أي تغيير داخلي وجذري ذات بعد إستراتيجي وخطير يرفقه بحدث خارجي للإلهاء وهي طريقة إعتمدها بن سلمان عند توليه ولاية العهد بعد إزاحة الأمير محمد بن نايف فأقدم على الخطوة بعد أن إندلعت الأزمة الخليجية مع قطر. لا يعني هذا أن بن سلمان يفبرك أحداث من لا شيء بل بالعكس هو فقط يربط بالتوقيت بين تحقيق هدفين داخلي وخارجي في الآن معا. وهذا من المرجح ما حصل مع إستقالة سعد الحريري حيث تم توقيتها مع خبر إعتقال هؤلاء الأمراء في نفس اليوم. ومن ناحية أخرى تبدو نظرية أن الحريري إستقال من أجل الإستثمار في الإنتخابات المقبلة بعد وجود حالة إحباط سني في الشارع ركيكة جدا لسبب بسيط هو أن الحريري أعلن عن قراره من السعودية وليس من لبنان وبالتالي الأمور يجب وضعها في سياق آخر مختلف خصوصا أن الخروج من السلطة في هذا التوقيت قبل الإنتخابات لن يكون لصالح الحريري إنتخابيا بل على العكس من ذلك هو إقرار من الحريري لخصومه السنة بصحة موقفهم السياسي طوال عام من عمر التسوية الرئاسية وكانوا سيستثمرون فيها كثيرا.

 

 

إقرأ أيضا : لبنان و (صُفين ) جديدة فبالأمس مثلا من راقب تصريح اللواء أشرف ريفي لقناة " الحدث " كان واضحا من كلامه التأكيد من أول المقابلة إلى آخرها على صحة موقفه منذ البداية وخطأ خيار التسوية التي أقدم عليها الحريري من دون أن يسميه وهذا يؤكد أن ربط الإستقالة بالإستثمار الإنتخابي ما كان ليكون في مصلحة الحريري خصوصا أن الوقت ضيق جدا. بناءا على ما تقدم ، تبقى هناك نظرية وحيدة لفهم إستقالة الحريري وهي الحملة التصعيدية السعودية ضد إيران وحزب الله. هنا أيضا لا بد من فهم عقل محمد بن سلمان وطريقة تعاطيه مع السياسة الإيرانية في المنطقة فهو يعمد إلى إرباك الدور الإيراني في عدة ساحات إقليمية لإضعافه لاحقا ويكسر جميع الخطوط الحمراء التي وضعت في عهد إدارة الرئيس السابق باراك أوباما والتي سمحت لإيران بالتمدد في المنطقة لكي لا تفشل صفقة الإتفاق النووي  لكن أهم خط أحمر كان موجودا حينها هو تجنيب لبنان أي إشتباك سياسي كإنعكاس لصراعات المنطقة بعنوان فضفاض هو سياسة النأي بالنفس وعلى أساس هذا الخط الأحمر تم الإتفاق على التسوية الرئاسية ولاحقا الحكومية. وبعد عام من هذه التسوية وفي ظل السياسة الخارجية اللبنانية التي تتعارض مع المصلحة السعودية وتقترب من الإيرانية وجد بن سلمان أن أوان هذه التسوية قد إنتهى وأن الخط الأحمر لا بد أن ينكسر مستفيدا من وجود رئيس جديد لأميركا هو دونالد ترمب يضع في أولويات سياسته تقليم أظافر إيران في الشرق الأوسط ، فكانت إستقالة الحريري. لكن هل الحريري كان أيضا مقتنعا بهذه الإستقالة ؟ لا أحد يعلم ، حتى السيد حسن نصر الله بالأمس كان واضحا بأنه لا يعرف ما حصل بين الزيارتين الأولى والثانية للسعودية وهي من المرات القليلة التي لا يحسم فيها  نصر الله موقفه من قضية معينة بل ذهب إلى تعداد إحتمالات معينة مطروحة في الشارع اللبناني حول أسباب الإستقالة وهذا يدل على أن القرار كان صادما للجميع. فمعرفة أسباب الإستقالة في هذا التوقيت يجيب عن السؤال أعلاه حول إقتناع الحريري أو عدمه بالقرار وحينها يبنى على أساس الموضوع موقفا سياسيا حاسما.

إقرأ أيضا : خطاب السيد نصرالله ... الإطمئنان القلق مع هذا ، وعلى الرغم من الغموض الموجود حاليا الذي يحيط  بالأسباب الحقيقية لخطوة الحريري لا بد من تذكر واقعتين  حدثتا سبقت إستقالة الحريري وربما توحي بالإجابة الصحيحة. الواقعة الأولى هي آخر تغريدات وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي ثامر السبهان الذي دعا فيها إلى تطيير حزب الله من الحكومة وإنتقد صمت الحكومة اللبنانية إتجاه ممارساته. والواقعة الثانية هي زيارة الحريري الأولى للسعودية بعد التغريدة مباشرة وتعمده أخذ صورة سيلفي مع السبهان ونشرها على حسابه في تويتر ومن ثم عودته إلى لبنان. فأخذ الصورة مع السبهان واللقاء به بعد التغريدة القاسية ضد الحكومة وحزب الله وعودة الحريري إلى لبنان لا تعني إلا أمرا واحدا  أن الحريري كان في جو الإستقالة والتصعيد ضد حزب الله في المرحلة المقبلة. لكن التوقيت كان مرتبطا بشيء آخر وهو ما سرع هذه الإستقالة وهو اللقاء مع مستشار السيد علي الخامنئي علي أكبر ولايتي وهو لقاء ما كان الحريري ليقدم عليه لو أن السعودية رافضة له خصوصا أنه أتى بعد زيارته الأولى إليها وما كان ليستفزها بهذه الطريقة. ما حصل في اللقاء مع ولايتي يبقى مبهما فهل حمل الحريري رسالة سعودية لطهران ورفضتها وبالتالي إستقال  ضمن إستراتيجية التصعيد ضد إيران وردا على رفضها ؟! كل الإحتمالات واردة لكن يبقى المؤكد أن إستقالة الحريري مرتبطة بالإشتباك الإقليمي بين السعودية وإيران بالدرجة الأولى وأن ما بعد الإستقالة هي بداية مرحلة جديدة ستزداد فيها الإضطرابات الدستورية والسياسية والإقتصادية وربما الأمنية في لبنان وهذا بالتأكيد لن يفرح حزب الله ولن يريح لبنان ، دولة وشعبا .