يرسم سفير دولة كبرى صورة قاتمة لمستقبل الشرق الأوسط، ويكشف أنّ بلاده بعثت بمجموعة من الرسائل في اتجاهات دولية مختلفة، وعلى وجه الخصوص في اتجاه الدول العربية، تحذّر فيها من «الخطر الكبير» الذي ينطوي عليه قرار الرئيس الاميركي دونالد ترامب بالاعتراف بمدينة القدس عاصمة لإسرائيل، وبنقل سفارة الولايات المتحدة الاميركية من تل ابيب الى القدس، ومبعث هذا التحذير انّ خطورة قرار ترامب لا تكمن فيه فقط، ولا على مستقبل القدس فقط، بل في ما قد يؤسّس له من ارتدادات على مستوى منطقة الشرق الأوسط برمّتها والعالم.
يُخرج السفير المذكور من درج مكتبه تقريراً ديبلوماسياً ورد من خارجية بلاده، يلحظ في مَتنه انّ قرار ترامب يندرج في سياق «خريطة طريق» أميركية - إسرائيلية، يشكّل قرار اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الاميركية اليها بنداً اولاً فيها، وأمّا الهدف الاساس منه فهو رسم خريطة سياسية وجغرافية جديدة للشرق الاوسط.


يقول السفير: «في الاساس، لم نكن متفاجئين بقرار الرئيس الاميركي، وكنّا قد نصحنا بداية بعدم الذهاب الى هذه الخطوة التي نرى فيها بُعداً تدميرياً لكل عملية التسوية في المنطقة. ومع ذلك صدر القرار وكان ذلك مبعث قلق كبير بالنسبة إلينا، فسارَعنا الى التحذير منه، لكننا فوجئنا بأنّ موقف بعض الدول الاوروبية كان متقدّماً جداً على موقف معظم الدول العربية.

والاجوبة التي تلقيناها، سواء في اللقاءات المباشرة او عبر القنوات الديبلوماسية كانت مخيّبة، إذ تراوحت بين اللامبالاة والاسترخاء ومحاولة التقليل من حجمه، لم نشعر أنّ هناك من هو مُستشعر بحجم هذا الخطر، كما لم نشعر انّ قرار ترامب أثار تساؤلات جديّة حوله، بل على العكس من ذلك، أشعَرونا بأنهم في منأى عنه، وانهم غير قادرين على تغيير مسار الامور. قالوا انّ ترامب مجنون، ولا نستطيع ان نُجاري جنونه.

بل اكثر من ذلك، قيل لنا انّ ما أقدَم عليه الرئيس الاميركي ليس عديم الجدوى، بل ليس خطوة عبثية او متسرّعة، إذ هي في مضمونها محاولة اميركية واضحة للضغط على الفلسطينيين والاسرائيليين لتحريك عملية التسوية المعلّقة منذ عهد باراك اوباما، وذلك لإحداث «صدمة إيجابية» في هذا المسار.


على هذا الموقف العربي راهَن ترامب، يقول السفير المذكور، وحديث بعض العرب عن «صدمة إيجابية» هو مُستعار من كلام ترامب نفسه، الّا انّ مفاعيل هذه الصدمة ليست مُستندة الى نظرة اميركية متساوية، الى طرفَي النزاع في فلسطين، بل هي نظرة واحدة منطلقة في اتجاه واحد، تؤكد أنّ هذه الصدمة هي لصالح الولايات المتحدة واسرائيل حصراً، والغاية منها هنا ليس تحريك التسوية في اتجاه تحقيق شيء من العدالة، بل هي تسوية وفق الشروط التي لا يمكن للحكومة الاسرائيلية الحالية ان تقدّم أي تنازلات في شأنها، وهذا يستجيب للسقف الذي رسَمه العقل الاسرائيلي المتصلّب والمتشدّد لجهة رفض اي تفاوض مع الفلسطينيين يوصِل في نهايته الى سيادة فلسطينية على القدس. حتى أنّ القبول بدولة فلسطينية ناقصة على ما تبقّى من الضفة الغربية هو موضع شك.

وبحسب السفير المذكور فإنّ ترامب، وخدمة لـ»خريطة الطريق» التي ينتهجها، نَظر الى جهات عربية مصنفة معتدلة، كملاذ لهذه الخريطة، وذلك في اطار تفاهمات غير معلنة، نعرف انها بدأت منذ أن بدأ ترامب ولايته، وجرى الحديث خلالها عن اتفاق سلام إسرائيلي - فلسطيني قائم على مبدأ تبادل الاراضي لحل العقدة الاساسية التي توقفت عندها المفاوضات قبل سنوات، وهي وضع المستوطنات.

وبطبيعة الحال فإنّ تسوية قائمة على مبدأ تبادل الاراضي - وهي العبارة التي صَرّح بها ترامب شخصياً بعد لقائه بنيامين نتنياهو في شباط الفائت - لها شروطها بالنسبة الى الاميركيين والاسرائيليين، تتلخّص في انّ ما سيمنح للفلسطينيين في إطار اتفاق السلام المخطط له، لن يشمل ايّ مساحات من الاراضي المحتلة في العام 1948، بل ستكون ضمن تسوية إقليمية تُطلق عليها منذ سنوات تسمية «الصفقة الكبرى»، وتقوم على تعويض الفلسطينيين عن الاراضي المقامة عليها المستوطنات بأراض خارج نطاق الحدود التاريخية لفلسطين.


هنا، يؤشّر السفير نفسه الى أمر يَصفه بالخطير والمخيف، يكمن في الحديث المتجدِّد عن «الوطن البديل». وهو امر تمّ إبرازه مجدداً قبل عدة اشهر، وخطورته أنه يندرج في سياق خطة اسرائيلية مطروحة منذ عقدين، وضع تفاصيلها الدقيقة المدير السابق للامن القومي الاسرائيلي غيورا آيلاند على مرحلتين: الاولى في العام 2004 وشملت في ذلك الحين خطوطاً عريضة للخطة، والثانية في مؤتمر هرتسيليا في العام 2009 وكانت هذه المرة اكثر تفصيلاً.

أمام الشعور الاميركي والاسرائيلي بأنّ القضية الفلسطينية تحتل مكانة دنيا لدى أنظمة عربية، على ما يقول السفير المذكور، يأتي قرار ترامب في شأن القدس بعد ايام قليلة على تسريب الخطة التي عرضت من قبل بعض الانظمة العربية على رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس للقبول بدولة فلسطينية عاصمتها بلدة ابو ديس بدلاً من القدس، وبعد أشهر على تحرّك بعض الانظمة العربية لتعويم القيادي السابق في «فتح» محمد دحلان، وتهيئته لرئاسة السلطة الفلسطينية مستقبلاً.

الى أين وصلت الامور؟

يجيب السفير: «أطراف هذه الخطة مستمرون فيها، ويحاولون النأي بها عن اي عراقيل تعطّل مسارها المرسوم. لننظر مثلاً الى «الهجوم الاميركي» الضاغط على الدول لمنع التصويت ضد قرار ترامب في الجمعية العمومية للامم المتحدة».(على رغم الضغط الاميركي تمّ التصويت ضد القرار بأكثرية 128 دولة مقابل 9 دول فقط أيّدته، وامتناع 35 دولة عن التصويت).

لكنّ السفير يضيف: يجب النظر الى الجانب الاخر من هذه المسألة والتطورات الماثلة فيه، هنا يجب التمعّن في الموقف الروسي، اذ ليست مصادفة ان تَحط طائرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في هذا الوقت، في قاعدة حميميم في سوريا، والتي اعلن منها النصر على «داعش» من جهة وسحب القوات الروسية من سوريا من جهة ثانية، مع الابقاء على تواجد عسكري دائم في حميميم واللاذقية.

كما ليست مصادفة ان يتبع بوتين ذلك بجولة إقليمية سريعة قادَته الى مصر وتركيا في يوم واحد، إذ انّ الرئيس الروسي اراد ان يرسل رسالة واضحة للأميركيين بأنه باتَ سيّد منطقة الشرق الاوسط سواء بالانتصار السوري، او في الشراكة الاستراتيجية مع ايران.

الواضح هنا، يتابع السفير السفير المذكور، انّ المسألة مفتوحة على عدة مسارات معقدة في المنطقة، ونحن من خلال متابعتنا وتقديرنا للمواقف وللخطوات التالية نرى انّ ترامب يبدو مستعداً للرهان على كل شيء. وإلقاء «الصولد» في لعبة «البوكر» التي يخوضها في الشرق الاوسط امام لعبة «الشطرنج» التي يُتقنها فلاديمير بوتين.

بهذا «الصولد» يبدو ترامب مستعداً للمخاطرة حتى بالعلاقات القائمة بين الولايات المتحدة وبعض حلفائها التاريخيين في اوروبا، الذين أبدوا رفضهم للقرار في شأن القدس، او بعلاقاتها بدول إقليمية عربية غير خليجية وإسلامية.

ومن هنا، يؤكد السفير، انّ قرار ترامب يبدو مقدمة لمرحلة جديدة من الصراع الدولي على الشرق الاوسط بعد 15 عاماً على غَزو العراق و8 اعوام على ما سُمّي «الربيع العربي». واذا كانت واشنطن قد كسبت جولة غزو العراق في العام 2003 وخسرتها بالانسحاب في العام 2010، فإنّ كَسبها لجولة «الربيع العربي» في العام 2011 سرعان ما انقلب فشلاً مع بدء التدخل الروسي في العام 2015.

إنطلاقاً من ذلك، يَخلص السفير الى انّ قرار ترامب في شأن القدس يتجاوز المدينة المقدسة ويضع اللبنة الاولى لجولة جديدة، لا تبدو فرَص الانتصار فيها مؤكّدة للولايات المتحدة، فالسنوات الماضية أفرزت موازين قوى جديدة لم يعد ممكناً معها أن تُخاض المعركة أميركيّاً سوى بخيارات جنونية حتى لا نقول انتحارية.