بحركة واحدة قال سعد الحريري لإيران إنّ مركز عملياتها اللبناني سيتحوّل إلى ساحة مضطربة إذا لم تخرج من اليمن
 

غادر سعد الحريري بيروت إلى الرياض زعيماً سنيّا ضعيفاً، مُتّهماً بالتخاذل أمام حزب الله، تحاصره محاولاتُ الإنقلاب من طرابلس إلى صيدا مروراً بالبقاع وبيروت  لكن لحظةَ بدا "الإنقلاب" حقيقياً، إكتشف الجميع أنّ سعد الحريري يمسك بمعظم خيوط البيت اللبناني، وسقوطه سيعني سقوط لبنان على الجميع.
عاد سعد الحريري إلى بيروت زعيماً سنيّاً قويّاً، مهما أغضبت هذه الحقيقة خصومه. عاد وقد اكتشف الجميع أنّه يستطيع أنّ يحرّك دولاً وأن يخلط الأوراق، من بيروت إلى اليمن، مروراً بمصر، معرّجاً على أوروبا من بوابتها الفرنسية، وقادراً على تغيير موقف واشنطن وإرباك إدارتها بتصريحات يناقض خلالها وزير الخارجية ما يذهب إليه البيض الأبيض، بين دعم خطوات الأمير محمد بن سلمان وبين المطالبة بعودة الحريري إلى لبنان.
بعد إستقالة الحريري غير المُنتظَرة، فجأة عاد "لبنان" إلى متن الصحف الفرنسية والألمانية والتلفزيونات الأميركية والمجلات البريطانية ووسائل التواصل الاجتماعي حول العالم. 
إستقالة رئيس حكومة بلد لا تتجاوز مساحته 10452 كلم مربّعاً، جعلت الدول الكبرى والصغرى تضعه على أجندتها المستعجلة، وتصدر البيانات المتلاحقة حول "سعد الحريري" و"أزمة لبنان".
بلا أيّ طلقة، ودون رصاص ولا صواريخ، فرض سعد الحريري وجهة نظره. 
فقط هدّد بالإنسحاب من اللعبة. 
وللتاريخ ،  لا "داعش" ولا "نصرة" ولا "قاعدة" على حدود لبنان ،  لا "أسيرَ" في صيدا ولا جهاديين في طرابلس، يخيفون الغرب والعرب.

إقرأ أيضا : خازوق الدكتور علوش، وفراش آل سعود الناعمة
بلا أيّ إبتزاز، قال الحريري لقيادات كوكب الأرض: "توقفوا أريد أن أنزل"، فاستغربوا وبذلوا كلّ ما يمكن لثنيه عن الإستقالة.
بإستقالة غريبة  في الشكل وليس في المضمون، أعاد سعد الحريري إلى لبنان موقعه على الأجندة الدولية.
أعاد إلى الدور اللبناني حضوره في الإقليم  بعدما فقده منذ إندلاع الربيع العربي قبل 6 أعوام.
أعاد إلى سنّة لبنان إعترافاً بمحوريتهم وإعتدالهم، وذكّر الآخرين أنّهم لم يوافقوا على الدخول في حرب أهلية، ليس لخوفهم أو لقلّة عددهم أو تسليحهم، بل لأنّهم شاهدوا ما حصل لسنّة سوريا وليبيا والعراق.
أعاد طرح سنّة لبنان مكوّناً أساسياً في مؤشرات المنطقة، بعدما كان شيعة حزب الله يشاركون في صياغة المعادلتين السورية والعراقية، وعلويو سوريا يحكمون قبضتهم على الشام وبلادها  والأكراد يبحثون عن دولتهم بين أروقة القصور الإقليمية والدولية  والمسيحيون يستعطفون العالم بسبب الإضطهاد الذي لحق بهم هنا وهناك.
أعاد إلى تيار المستقبل إعترافاً لبنانياً وإقليمياً، سعودياً ودولياً، بأنّه الممثل الأوّل للسنّة في لبنان.
أعاد التأكيد على أنّ سعد الحريري – وليس تيار المستقبل عموماً  أو "الحريرية السياسية" خصوصاً – هو الذي يحظى بمحبّة اللبنانيين، من كلّ الطوائف والمناطق.
 واقتنع اللبنانيون بضرورة أن يحترموا "صدقه" في تقديم مصالح اللبنانيين على مصلحته الشخصية، المالية والسياسية، بأن يرفض الحرب الأهلية.
وأعاد بعض العقل إلى ما كان يبدو " إنهياراً " في التوازن بين حزب الله وخصومه في لبنان.
قبل إستقالته الملتبسة في السعودية، كان سعد الحريري يحاول إقناع جمهوره بجدوى التسوية وكان الجمهور يعاند. لا يُخفى على أحد أنّ السنّة ليسوا مقتنعين، لكنّهم يوافقون على اعتبار أنّه "يحقّ لإبن رفيق الحريري ما لا يحقّ لغيره".

إقرأ أيضا : الحريري بين قصرين!
فجأة، حين أعلن إستقالته، سُمِعَ دويّ إعتراض الجمهور السنّي إلى الرياض. خافوا،  شعر أهالي بيروت وطرابلس والبقاع وصيدا بأنّ الحرب التي يهوّل الخليج بها على لبنان ستصيبهم قبل غيرهم. فرواتب حزب الله تأتي من إيران بالدولار، ومصالح الشيعة محدودة في العالم العربي  لكنّ سنّة لبنان هم الذين سيدفعون الثمن، بتخريب مدنهم وضرب مصالحهم وتهديد أرزاقهم.
إكتشف سنّة لبنان أنّ الحريري يمثّل مصالحهم فعلاً لا قولاً، وأنّ الحرب لن تعطيهم ما يتمنّون  وأنّ غياب الحريري سيجعلهم أيتاماً سياسيين.
بحركة واحدة قال سعد الحريري لإيران إنّ مركز عملياتها اللبناني سيتحوّل إلى ساحة مضطربة إذا لم تخرج من اليمن. مركز العمليات حيث المرفأ والمطار والمستشفى ومراكز التدريب ومنامة النساء والأطفال ومدارسهم وجامعاتهم، والمركز الإعلامي للفضائيات والمواقع الإلكترونية  والمؤتمرات والندوات إلخ.
هذا المركز سيتحوّل إلى ساحة حرب  أو في أحسن الأحوال إلى ساحة فوضى . وسريعاً جاء الردّ الإيراني على لسان حسن نصر الله: "لا علاقة لنا باليمن، ومعركتنا إنتهت في سوريا والعراق  ولن نتدخل في الشؤون العربية".
هكذا أعاد سعد الحريري إلى " السياسة " أحد معانيها، بعيداً عن العسكرة والأمن، وهكذا أعاد سنّة لبنان إلى واجهة الشرق الأوسط  ليكتشفوا أنّ دورهم كبير  وما عليهم سوى أن يبادروا إلى لعبه.