صحيح أنّ أيّ إعلان رسمي حول إلغاء الإنتخابات النيابية الفرعية في كسروان وطرابلس لم يصدر بعد، لكنّ القوى السياسية تتصرَّف وتبني مواقفها على أساس أنّها لن تحصل.
 

لم يعد سرّاً أنّ عدداً من القوى الوازنة يُعارض إجراء الإنتخابات النيابية الفرعية، كلّ لحساباته. فتيار "المستقبل" يُدرك جيداً الوهن الذي يُعاني منه شعبياً، خصوصاً في طرابلس، فيما المدينة باتت تشكل داعماً قوياً لغريمه الجديد اللواء اشرف ريفي.

و"القوات اللبنانية" تريد تأجيل مواجهتها مع "التيار الوطني الحر" الى الإنتخابات العامة تجنّباً لكشف أوراقها، وللحرَج الذي يمكن أن يطاولها، كما أنها تشعر بأنها ستخسر نقاطاً ثمينة أيّاً يكن موقعها أو اصطفافها. وحتى الفريق الشيعي بدا ميّالاً إلى إلغاء الانتخابات لتجنّب الحرَج الذي سينتج عن طريقة التعاطي مع حلفائه السنّة في طرابلس.

وحده رئيس الجمهورية كان متحمّساً في البداية، وهو أظهر رغبته بقوة أمام وزير الداخلية قبل أن تعود حماسته وتبرد إزاء المشهد الحاصل.
وإذا كان إلغاء "الفرعية" ينتظر إخراجاً ما ليصبح قراراً رسمياً، فإنّ الغريب هذا الهمس الذي يدور في الكواليس السياسية حول وجود شكوك جدّية في حصول الانتخابات النيابية في أيار المقبل، وما زاد من قوة هذه الشكوك الاعتراضات التي أدّت الى إجهاض الانتخابات الفرعية.

ولهذه الشكوك ما يُبرّرها، أهمّها القانون الانتخابي الذي أقرّه مجلس النواب. ومنذ إقرار القانون الجديد، والذي يجمع بين النسبية من جهة، والأكثري على اساس صوت واحد لمرشّح واحد، والقوى السياسية الأساسية تجري دراساتها المعمّقة في محاولة لاستكشاف مبكر للأحجام التي ستظهر مع إجراء الانتخابات.

وبات معلوماً أنّ الكتل الكبيرة ستتقلّص حصصُها كثيراً، خصوصاً "المستقبل" و"التيار الوطني الحر" وكتلة النائب وليد جنبلاط وغيرها... ولا شك
في أنّ هذه الاستنتاجات المبكرة تشكل حافزاً لإجراء تعديلات على القانون الجديد، ما يسمح بالحدّ من الخسارة المتوقعة.

وفي الكواليس السياسية الضيّقة، كلام عن حركة لإدخال تعديلات على القانون تتركّز اساساً على إدراج صوتين تفضيليَّين بدلاً من الصوت الواحد، وهو ما يؤدّي الى نتائج مختلفة كلياً.

واعتماد الصوتين التفضيليَّين سيدفع حكماً الى تحرير الصوت الانتخابي ليصبح في كلّ الدوائر وفق كل مساحة الدائرة لا وفق القضاء كما هو حاصل الآن، حيث الدائرة تضمّ أكثر من قضاء، ومعه نصبح أمام قانون جديد، أي فلسفة انتخابية جديدة. لكنّ هناك عدداً من القوى التي ستعارض بشراسة إدخال هذه التعديلات، ما يُنبئ بمواجهات سياسية كبيرة، ويفتح الأبواب أمام إرجاء الانتخابات النيابية.

وأبرز هذه القوى المعترضة ستكون على الساحة المسيحية، وعلى أساس أنّ اعتماد صوتين تفضيليَّين سيؤذي التمثيل المسيحي وسيعطي الكتل الإسلامية الناخبة إمكانية واسعة للتأثير في التمثيل المسيحي، وهو ما يتعارض مع الدافع الأساسي لإنهاء قانون الستين، أي تحرير صوت الناخب المسيحي.

وقد ترافق ذلك تحدّيات أخرى منتظرة، منها اقتصادية، وأخرى إجتماعية، ما سيعزّز فرضيّة تفاقم الأزمة والذهاب نحو التأجيل مرة رابعة.
لكنّ هذا السيناريو، وإن كان حقيقياً ويجري التداول به في الأطر الضيّقة، إلّا أنه يبقى احتمالاً غير مؤكد.

وفي انتظار التطورات المرتقبة تندفع القوى السياسية في تعبئة قواعدها وإنجاز تحضيراتها، خصوصاً على الساحة المسيحية التي تختبر واقعاً جديداً ومختلفاً بسبب زوال انقسام "14 و8 آذار"، ووصول عون الى رئاسة الجمهورية، والتقلّبات التي نتجت عن التبدّل في مواقع القوى السياسية فيها أكثر من مرة ووفق أكثر من عنوان.

ووفق آخر التقلّبات والاصطفافات، فإنّ "التيار" و"القوات" سيتواجهان في معظم الدوائر، إن لم يكن كلها، بخلاف ما كانت الصورة عليه إبان معركة الانتخابات البلدية حين كان لا يزال قانون الستين هو المعمول به. وهذا الواقع أعلنه الدكتور سمير جعجع بلسانه من زحلة وسط خلافات حادة تدور بينه وبين الوزير جبران باسيل حول معظم الملفّات تقريباً، والأهم حول حسابات إنتخابات رئاسة الجمهورية المقبلة.

وقيل إنّ جعجع الذي يعمل على اختيارٍ متأنٍّ للمرشحين على لوائح "القوات"، يعمل على إبلاغ هؤلاء إن مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، أنه يريد توسيع كتلته الى الحدّ الأقصى، وأن يكون كل مرشح منتسباً الى حزب "القوات" وعضواً في الكتلة النيابية في حال فوزه، وأن العين هي على الاستحقاق الرئاسي المقبل، ولذلك يعمل على نسج تحالفات مع جنبلاط، وعلى تفاهمات مع النائب سليمان فرنجية في الشمال، متجنّباً الذهاب الى تحالف كامل معه لإدراكه أنّ ذلك سيعني العودة الفورية الى حال العداء مع "التيار".

والتفاهم "القواتي" مع "المردة" يعني هنا تبادل أصوات في دوائر أخرى مثل طرابلس وعكار.

وهو يحاول فكّ الحصار حوله في الدوائر المسيحية لجبل لبنان من خلال ضمّ شخصيّات مستقلّة قادرة على رفد لوائحه بنسبة جديدة من الأصوات، وبالتالي رفع عتبته الانتخابية.

أما في زحلة، حيث الوضع الصعب والمعقد، فقصدها للمرة الأولى منذ تسع سنوات لتعزيز قوّته الناخبة. ذلك أنه في المقابل تحالف واضح بين "التيار الوطني الحر" و"المستقبل"، في وقت يسعى باسيل الى ضمّ "حزب الله" الى هذا التحالف في زحلة.

كذلك فإنّ باسيل الذي سمع من "المستقبل" كما من "حزب الله" تمسّكهما برئيسة "الكتلة الشعبية" السيدة ميريام سكاف وجّه رسائل تتضمّن النية في التعاون، لكن ما كان ممكناً قبل زيارة باسيل الى زحلة بات صعباً جداً بعدها، ذلك أنّ سكاف التي تتطلّع الى تمثيل على مستوى كتلة نيابية لا مقعداً نيابياً يتيماً تُدرك قوة موقعها بسبب التناقضات التي تتحكّم بالقوى السياسية الموجودة، إضافة الى الوزن الشعبي الذي تحظى به.

فهي تُعوّل مثلاً على الدعم المسيحي الواسع نتيجة الفشل الذي أصاب النواب الحاليين، إضافة الى جذبها شريحة واسعة من الطائفة السنّية بسبب تراجع شعبية "المستقبل"، والمرشّحة لأن تتراجع أكثر بسبب حساسية التحالف مع "التيار الوطني الحر" وربما مع "حزب الله".

في المقابل، بدا جعجع متماسكاً في العلن لكنه قلق خلال لقاءاته المغلقة. في العلن تحدّث عن إمكانية مرتفعة للتحالف مع "المستقبل"، لكن خلال اللقاءات الضيّقة لم يستبعد خوض المعركة وحيداً مع إمكانية النفاذ بمقعد واحد، وإذا حالفه الحظ بمقعدٍ ثانٍ من خلال احتساب الكسور.

وفي انتظار ذلك، الخلاف بين جعجع وباسيل مرشح للتصاعد وتوسّع محاور الاشتباك من خلال ملفّين، الأول، التعيينات الإدارية التي يتحكّم بها باسيل، والثاني، بواخر الكهرباء التي ستثابر "القوات" في موقفها المعارض والرافض.

وخلال الأيام الماضية، أراد جعجع الذهاب الى وقف لإطلاق النار بعد زيارته قصر بعبدا، ولكن عون فضّل إبقاءَه خارج هذه النزاعات كونه رئيساً للبلاد وليس فريقاً سياسياً. إثر ذلك، اضطر لإيفاد الوزير ملحم رياشي الى باسيل في اجتماع كان سلبياً في معظمه، اشتكى الطرفان من كل شيء تقريباً، ووصلت الأمور الى حدّ اعتراض "القوات" على تعيين ترايسي شمعون سفيرةً في الأردن.