هل تطيح اللعبة السياسية في لبنان بحاكم المصرف المركزي؟
 

لا يمكن التعاطي مع شخصية كرياض سلامة بمعايير محلية صرفة أو بحسابات تقليدية يخضع لها النظام السياسي والمالي في لبنان. فالرجل الذي يشغل منصب حاكم مصرف لبنان  المركزي منذ أوائل التسعينات حتى الآن ،  إستطاع تسلق سلم النجاح دائما ولم يعرف عنه أنه فشل في الأزمات المالية أو إستسلم في أوقات المحن. ويجمع معظم اللبنانيون على نجاحاته التي وصل صيتها إلى قلب العالم الرأسمالي في الولايات المتحدة الأميركية. أما من يخالف هذا الرأي ويعارض سياسات سلام المصرفية فهو إما لتبنيه عقيدة إقتصادية مختلفة عن عقيدة سلام الرأسمالية   أو لأسباب سياسية إستجدت في آخر سنتين جراء النزاع الأميركي- الإيراني والعقوبات التي فرضت على حزب الله أو آراء مهنية وموضوعية لخبراء إقتصاديين ومحللين ماليين  تنتقد أداء سلام في بعض الملفات وتتفق معه في أخرى .

إقرأ أيضا : هل نجا رياض سلامة من الحملة عليه؟

فاتورة النجاح:

ولا شك أن الرجل إستطاع حماية القطاع المصرفي وتطويره في لبنان. فإكتسب القطاع المصرفي سمعة طيبة في الشرق الأوسط وحول العالم وهو يشكل ما يعادل ال 5% من الدخل القومي اللبناني ويؤمن سيولة للعديد من المشاريع المختلفة الحجم. وتجاوز القطاع المصرفي حدود لبنان فأسهم في إثراء وتنمية العديد من المشاريع الخارجية كالنهضة الإقتصادية التي حصلت في كردستان العراق والتي يعود الفضل بنسبة كبيرة فيها للمصارف اللبنانية ورجال الأعمال اللبنانيين. وعندما يتم ذكر إسم رياض سلامة يتم الربط دائما مع سياسة تثبيت سعر صرف  العملة اللبنانية " الليرة " أمام الدولار والتي بقيت ثابتة منذ التسعينات حتى اليوم رغم التغيرات التي حصلت وهي خطوة حافظت على الإستقرار النقدي والمالي على الرغم من أن محللين إقتصاديين وماليين يرون بسياسة التثبيت خطوة غير ملائمة إقتصادية ومالية ويراها البعض الآخر خيانة لمبادىء الرأسمالية لجهة تدخل الدولة في تحديد سعر الصرف وعدم تركها لآلية السوق " العرض والطلب ". ويبقى أهم إنجاز يحسب لسلامة هو حمايته للقطاع المصرفي من تداعيات أزمة الرهان العقاري التي حصلت في العالم في 2007  وإستطاع تخفيف الهزات الإرتدادية عن لبنان.

إقرأ أيضا : من يخلف رياض سلامة؟

الحسابات السياسية:

أما في الشق السياسي فقد شكلت محنة العقوبات الأميركية على حزب الله تحد قوي لشخص رياض سلامة وللقطاع المصرفي. وتعرض حاكم مصرف لبنان لحملة إعلامية منظمة من قبل حزب الله  ومناصريه وحلفائه بعد تصريحات إعلامية وإجراءات حصلت حينها وتوجيهات أعطيت للمصارف. لكن تمت تسوية الأمور فيما بعد على أساس خطة معينة تجنب المخاطرة بالقطاع المصرفي. ومنذ فترة  تشن حملة إعلامية كبيرة على الحاكم لإستهدافه سياسيا وقطع الطريق أمام أي مخطط للتمديد لولايته التي تنتهي في تموز. وبين الأخذ والرد تدخل سياسة تصفية الحسابات بين عدة مكونات سياسية لعدم التمديد له.

إقرأ أيضا : أربع صفحات من العقوبات المالية على حزب الله... فهل أخطأ رياض سلامة؟

التسوية:

لكن إعتبارات عديدة طرأت في الأيام الأخيرة وغيرت وجهة معارضي التمديد للحاكم. فبحسب أوساط التيار الوطني الحر يتم التداول جديا بالتمديد للحاكم لولاية أخرى بعد أن كانت عين التيار على هذا المنصب. أما حزب الله فتشير التقديرات حتى الآن أنه لا يمانع في التمديد لرياض سلامة. والواضح أن أمرا ما طرأ وغير وجهة نظر معارضي رياض سلامة.

 

فالترجيحات تشير إلى أن علاقة حزب الله بالحاكم لم تكن متوترة في الأساس بالحجم الذي صوره الإعلام وأن الصدام الوحيد الذي حصل هو عندما فرضت أميركا عقوبات على الحزب. أضف أن حزب الله يدرك أن موجة عقوبات قاسية وجديدة ستفرضها أميركا قريبا  والحزب  بحاجة لشخص كرياض سلامة بما يمتلكه من ذكاء وحنكة لتدوير الزوايا وتسوية قضية العقوبات كما حصل سابقا. أما التيار الوطني الحر  وإن كان يتفهم رغبة الحزب في حال حصول هذا التغيير حقا فإنه لن يخاطر في هذه الفترة بتعيين بديل عن سلامة في ظل رفض أميركي لهذا التغيير.

إقرأ أيضا : وسط المشهد القاتم... رياض سلامة يعلن خبرا أبيض وبالتالي أصبح رياض سلامة شخصية يجمع عليها المعارضون والمؤيدون لسياسة أميركا، وكل له أسبابه إلا إذا حصل تطور ما حتى تموز وطرح موضوع تعيين حاكم جديد بجدية على الطاولة وعندها يجري البحث عن بديل لسلامة. لكن مهما كان هذا البديل فإنه لن يستطيع ممارسة ولايته إلا بنفس السياسة التي إعتمدها سلامة وحققت إستقرارا نقديا ونجاحا هو ليس كافيا لكنه مطمئنا بالحد الأدنى. وبين دفع فواتير النجاح واللعبة السياسية في لبنان تضيع قيم التكريم لرجال ونساء نجحوا في هذا البلد لتسقط هذه القيم في هاوية الشيطنة والكيد السياسي.