أياً تكن الرسائل التي أرادها #حزب_الله من وراء عرض دباباته وآلياته العسكرية في #القصير، فإنه يعلن على الملأ أن لديه جيشاً مرابطاً في قاعدة خلفية هي القصير، وأنه صار طرفاً متورطاً بكل ما يملك من إمكانات وقدرات، الى ما بعد #حلب في الحرب السورية. فعرض القوة الذي أعلن عن جيش "حزب الله" النظامي، يعكس قدرة الحزب على التسلح والقتال والحشد، لكنه في الوقت ذاته يؤكد أن أولوياته حالياً ليست المعركة ضد الاحتلال الاسرائيلي، طالما أنه مطمئن الى جبهة الجنوب اللبناني وخطوط تماسها التي تضبطها الهدنة والقرار 1701، إنما انخراطه في حروب سوريا، فيستمر في حشد مقاتليه ونخبة عناصره ودفعها على مختلف الجبهات المشتعلة في سوريا، ما يعني مزيداً من الغرق والاندفاع الى مناطق أبعد، وفي المقابل خسائر وانعكاسات سلبية على لبنان واللبنانيين.
 
يكفي أن يكشف "حزب الله" عن دباباته وآلياته ومدافعه في القصير، للقول أنه سلك طريقاً جديداً بأسلوب علني للإعلان عن قدراته القتالية في سياق تدخله في الحرب السورية، فلو كانت المعركة في ساحته اللبنانية السابقة، اي المقاومة في الجنوب، لما كان عرض القوة هذا ممكناً وربما غير متاح أيضاً، وإن حصل في أرض سورية يعيش عليها لبنانيون حالياً. ذلك أن هذه الدبابات لا تستطيع الصمود في أي حرب مع إسرائيل، على ما شهدناه من حروب سابقة، عندما تعرضت على سبيل المثال أرتال من الدبابات السورية في البقاع للتدمير والإبادة أثناء الاجتياحالاسرائيلي عام 1982، علماً أنها كانت مدرعات حديثة نسبياً. فانكشاف العتاد العسكري للجيش النظامي يعرضه عادة للتدمير عبر الجو، وهو ما يجعل الدبابات والمدافع المكشوفة غير فاعلة، إذا كان البعض يتحدث عن إمكان استخدامها في أي حرب محتملة في الجنوب، وهي تلغي الصورة التي قدمها "حزب الله" في مقاومته السابقة للاحتلال من طريق حرب العصابات، والقدرة على إخفاء سلاحه الثقيل في المواجهة.
وفي المقارنة، يتحدث البعض ممن تابعوا يوميات عدوان تموز 2006، عن أن "حزب الله" بقي قادراً على إطلاق الصواريخ الثقيلة طوال 33 يوماً، على رغم الغارات الاسرائيلية الكثيفة والقصف عبر الجو والبحر والبر، فهو لم يعرض صواريخه الحديثة علناً، ولا تلك البحرية، كي لا يعرف الإسرائيليون طريقة إخفائها وما تحتاج اليه من قواعد لإطلاقها، مكتفياً بعرض نماذج من صواريخ غراد المعروفة وراجماتها، والتي استخدمت من المنظمات الفلسطينية في فترة السبعينات من القرن الماضي. علماً أن حركة فتح الفلسطينية ومنظمات أخرى حصلت على دبابات قبل عام 1982، لكنها لم تستخدمها اثناء الاجتياحات الاسرائيلية، بالإضافة الى أن تنظيمات لبنانية وميليشيات كثيرة كانت لديها مدرعات إبان الحرب الأهلية.
 
لكن ذلك لا يعني أن ليس لدى "حزب الله" اليوم جيشاً يملك أسلحة حديثة ومدرّعات ودبابات. فقد صارت المقاومة الإسلامية، أي الجناح العسكري للحزب جيشاً له قواعد خلفية، وله أيضاً وظيفة محددة في الداخل السوري، وله وظائف لبنانية كذلك، على الأقل في العرض العلني. علماً أن آلاف العائلات اللبنانية تسكن اليوم في القصير وتعمل في الزراعة وتملك أراض ومنازل. فأن يجاهر الحزب بعرض قوته في القصير، يخرجه من الحرج مع حلفائه، خصوصاً رئيس الجمهورية، إذ أنه يستطيع القول أن قوته المدرعة النظامية موجودة في #سورية، ولها غطاء شعبي لبناني ومذهبي شيعي، وأن دوره السياسي في لبنان لا يستند الى هذه القوة. لكن مجرد الإعلانعن وجود هذا الجيش يؤثر على موازين القوى الداخلية والمحلية، باعتبار ان طرفاً رئيسياً اليوم يمتلك السلاح ويستطيع أن يجيره وفقاً للحسابات التي تخدم استراتيجيته، ولمصالحه أيضاً.
 
وإذا كانت رسالة جيش "حزب الله" المحلية غير مباشرة، ولها استهدافات بعيدة المدى، فإن الرسالة الأبرز تبقى سورية بكل معنى الكلمة. يعني ذلك أن خيارات التدخل والانخراط والتورط في الداخل السوري، تتقدم على ما عداها من ملفات أخرى. لكنهفي رسالته الموجهة أيضاً لجمهوره وللبنانيين، يقف على مسافة شاسعة ممن لا يريدون استمرار التورط في هذه الحرب. وللتذكير، إذا كان عرض الدبابات يعني شيئاً للبعض، أن اللبنانيين الذين يرفضون تدخل "حزب الله" في سوريا، كانوا يوماً من أشد المدافعين عن مقاومته للإحتلال الاسرائيلي، وهم يتساءلون مجدداً بعد عرض القوة عن وظيفته وعن جدوى هذا الإنخراط الذي يكبد الحزب خسائر كبيرة، وشباب يسقطون يومياً، وهي أسئلة تظهر أيضاً داخل الطائفة الشيعية.
 
اختلفت المعطيات اليوم، صارت المقاومة جيشاً يقاتل في ساحة أخرى لا يعرف حدودها ولا تلاوينها ولا الدخلاء عليها. ففي قتاله في سوريا، نقل "حزب الله" المقاومة من قوة على الحدود الجنوبية، الى جيش على الحدود الشمالية والى طرف في الصراع السوري ذهب بعيداً الى حد القطيعة والعداء مع فئات سورية وعربية أيضاً. فلا داعي لتذكير الحزب أنه قاتل في الجنوب متسلحاً بخصائص ساحته أو منزله، لكنه اليوم يفقد هذه الخاصية، وإن كان يخوض في سوريا معركته الداخلية اللبنانية أيضاً،لكنه يغامر بما تبقّى من وطنية لبنانية لأهداف هي أبعد وأبعد وما بعد حلب!