يذكرنا مؤتمر سيدر 1 الذي انعقد أخيراً في باريس واعتبره لبنان إنجازاً يعكس حجم الدعم الدولي له، بمؤتمر باريس 3 الذي عقد في كانون الثاني 2007 بمشاركة 36 دولة و8 مؤسسات مالية عالمية وحصل لبنان على تعهدات بـ7 مليارات دولار. قبلهما انعقد مؤتمر باريس 1 في شباط 2001 وحصل لبنان على 500 مليون أورو لمساعدته في خفض العجز وإدارة الدين والخصخصة، فيما كان البلد يعاني حينها ويقترب من الإفلاس.


ثم مؤتمر باريس 2 في تشرين الثاني 2002 وحصل لبنان على 4،4 مليارات دولار استخدمت في معظمها لإعادة تمويل الدين العام وجدولته في محاولة لخفض خدمته. وبعد حرب تموز 2006 عقد مؤتمر في ستوكهولم في آب 2006 ومنحت الدول المشاركة الحكومة مساعدة بقيمة 980 مليون دولار لإعادة إعمار ما دمّرته حرب تموز. وفي كل هذه المؤتمرات خصوصاً باريس 3 الذي حصل لبنان من تعهداته مبالغ قروض بنحو 4 مليارات دولار، لم يستطع البلد النهوض وتنفيذ مشاريع تنموية مستدامة، لا بل ارتفع الدين العام إلى مستويات قياسية تخطت اليوم 80 مليار دولار، وفشل في تأهيل الكهرباء التي رتبت عجزاً مستمراً وقطاعات أخرى بسبب طبيعة الحكم والمحاصصة في إدارة البلد والاقتصاد.

التقاطع بين مؤتمر سيدر الذي شاركت فيه 50 دولة ومؤسسة مالية عالمية، وبين مؤتمرات الدعم الدولي السابقة للبنان، أن برنامج التأهيل المطروح هو نفسه تقريباً مع تعديلات جوهرية اقتضتها الظروف الحالية للبلد، إضافة إلى أن الأزمة المالية تهدد بالإفلاس بعد العجز والمديونية وتسير به إلى الإنهيار. هذا يعني أنه ليست المرة الأولى التي يدعم فيها المجتمع الدولي لبنان، وإن كانت الظروف السابقة مختلفة. إنما اليوم تبدو القروض هي الأخطر في تاريخ البلد وسترفع الدين العام الى مستويات قياسية، فيما أمام لبنان مستحقات مالية للسنة 2018 تفوق السبع مليارات دولار، وهو إن كان مجبراً على إعادة هيكلة الدين، إنما سيواجه المزيد من الاعباء التي لن تقف تأثيراتها عند حدود معينة بل ستطال بنية البلد ومستقبله.

خبراء يطرحون تساؤلات

يطرح خبراء اقتصاديون تساؤلات عن مدى قدرة لبنان على تحمل مزيد من القروض وأعباء كبرى، كان عانى منها خلال فترة التسعينات من القرن الماضي. فكانت مشاريع النهوض بكلفة مرتفعة مترافقة مع إنفاق فوق إمكانات البلد. أما في مؤتمر سيدر، فكان واضحاً أن البرنامج الاستثماري الذي قدمته الحكومة اللبنانية بقيمة 17 مليار دولار يتقاطع مع برامج عدة وضعت منذ عام 2006، وتضمن بعضها مؤتمر باريس 3. وتنطلق نظرية الحكومة في تبريرها للقروض الجديدة لرفع معدّل النمو حيث يتوقع مستشار الرئيس سعد الحريري نديم المنلا أن يرتفع الى 6 %، وذلك من خلال رفع معدّل الإنفاق الاستثماري، أما ارتفاع حجم الدين فليس خطيراً طالما بقيت نسبته إلى الناتج المحلي مقبولة، وقد تتراجع من 150% إلى 130%. لكن هذا الرهان وفق الخبراء لا ينطبق مع الواقع لأن المشاريع قد لا تكبّر حجم الاقتصاد في ظل إدارة سياسية وطائفية للبلد تقوم على المحاصصة من دون أن يكون الإصلاح عنواناً حقيقياً لها. والتجربة خير دليل على ذلك، خصوصاً في قطاع الكهرباء الذي رتب على البلد ديوناً متراكمة وأعباء كبيرة. وحين تأتي القروض بالاموال إلى لبنان وإن كانت مشروطة، ويشارك بها القطاع الخاص بشقيه المحلي والأجنبي،ستكون تحت وصاية الطبقة السياسية التي لم تستطع حل المشكلات التي عاناها اللبنانيون في مختلف المجالات، لا بل أن السلطة الطائفية الحاكمة أنتجت المزيد من الأزمات وكرّست استعصاءات بات يستحيل معها بلورة خطط النهوض. وها هو لبنان منذ سنوات يخسر المزيد بحيث رتبت السياسات الحاكمة أعباء كبيرة ولم تستطع السلطة اطلاق اي مشروع حيوي في البنية التحتية والمياه والكهرباء ولا أي حل لمشكلة النفايات، وهي ملفات رفعها لبنان الى مؤتمر سيدر، كما كان رفعها في مؤتمرات سابقة، فمن يدير القروض الجديدة في مشاريع النهوض بالاقتصاد اللبناني؟ ذلك السؤال سيطرح بعد الانتخابات النيابية، طالما أن القروض الميسرة التي أغدقها المجتمع الدولي على لبنان ضمن برنامج الاستثمار ستتدفق مع تشكيل الحكومة الجديدة ومجلس النواب المنتخب، فيما القوى السياسية والطائفية الحاكمة حالياً ستعود بأسماء مختلفة الى الحكم، وهي المسؤولة عن وصول البلد الى ما هو عليه، إذ لا يستطيع اي طرف سياسي وطائفي إعفاء نفسه من المسؤولية عن الإنهيار وعن الإفلاس السياسي والمالي.

حصل لبنان على تعهدات بقروض تتجاوز العشر مليارات دولار، فيما المشاريع المطروحة وطريقة إدارتها، حتى لو كانت تحت رقابة دولية، تتناقض مع مسار ضبط تضخّم الدين وخفض نسبة العجز الذي تسعى إليه الدولة، فالإنفاق الاستثماري المطروح شبيه بتعهدات مؤتمرات سابقة، بما فيها مرحلة إعادة الإعمار في لبنان خلال التسعينات، ما يفتح على استدانة كبرى قد ترتب تداعيات سلبية على البلد، ما لم تتقدم مشاريع البرنامج بشفافية انتاجية كي لا يتم ابتلاع الاموال في غير مكانها، وهو أمر عانى منه لبنان، فكانت الأزمة تعود في كل مرة مع هواجس ومخاوف من الإفلاس.

يقول الخبير الاقتصادي أن اي استدانة غير مدروسة ليست لمصلحة لبنان ما لم يكن الاصلاح السياسي أولوية ويمتد اصلاحاً اقتصادياً وتصحيحاً مالياً، ولا يمكن التقدم في هذا المجال اذا لم يجر الفصل بين تواطؤ النظامين السياسي والاقتصادي في البلد وإبعاد البرنامج عن الحسابات السياسيّة، ودرسه لمعرفة التأثيرات الاقتصاديّة والماليّة المترتبة عليه، خصوصاً أن حاجات الاقتصاد اللبناني كثيرة وترتبط بالاستثمار والنمو.

كيف ينتشل الاقتصاد اللبناني من أزمته بمشاريع بنى تحتيّة قادرة على ايجاد فرص وتحقيق معدلات نمو بين 6 و 8%؟ وفق الحكومة هناك 250 مشروعاً مقترحاً تأتي أولوياتها لبيروت وجبل لبنان والشمال ثم المناطق الأخرى. لكن نقطة ضعف الخطة الاستثمارية، وفق الخبير الاقتصادي، أنها قدمت قبل الانتخابات النيابية ويمكن استغلالها في مشاريع الترويج السياسي بالحديث عن الانجازات. أما الثغرة الأساسية فتكمن في أن المشاريع الإنمائية والاستثمار في البنى التحتية عبر القطاع الخاص تفتقد الى مشاريع منتجة تراكم رأس المال وتكبر الاقتصاد وتجد فرص عمل بعيداً من الاحتكارات، إضافة الى غياب الشفافية في صرف الأموال، وهو ما يؤدي الى ارتفاع كبير في الدين العام، وقد يرفع العجز أيضاً ما لم تكن الموازنات واضحة وشفافة.