تداعت مجموعة من الشخصيات السياسية والاجتماعية والإعلامية والأكاديمية الى الإعلان عن مبادرة وطنية لإنهاء الفراغ الرئاسي، وجاءت هذه المبادرة بحسب من وضعها بعد جملة مشاورات ولقاءات بين مواطنين ومواطنات خلال الشهر الجاري وذلك بهدف التفكير والعمل تحت راية "لبنان الانسان" ووضع المتشاورون هذا النص وهو الأول في سلسلة مبادرات مواطنية لهذه الغاية، والذي سيعمم لاحقا للتوقيع .

يتفق الجميع على أهمية ملء الفراغ المتمادي في رئاسة الجمهورية. ويتمّ التأكيد على الأمر في لبنان حتى الابتذال، وكذلك في المنتديات الدولية. هذا كان الهدف الرئيسي لزيارة فرنسوا هولاند، وبعدها زيارة وزير خارجية فرنسا. حتى أولئك الذين يستمرون في رفض النزول الى مجلس النواب لانتخاب رئيس أقرّوا أخيراً بهذه الأولوية، مع التمسك بشرط واحد: أن ينتخب مرشحهم فقط دون سواه. طبعاً لا ينصّ الدستور على شرط تحديد شخص سلفاً لإنتخابه رئيساً. أما بالنسبة الى الحجج الأخرى، فالنصوص الدستورية دقيقة بصورة لافتة في لبنان. وللتذكير:
المادة 34: "لا يكون اجتماع المجلس قانونياً ما لم تحضره الأكثرية من الأعضاء الذين يؤلفونه".
المادة 49 - فقرة 2: "ينتخب رئيس الجمهورية بالاقتراع السري بغالبية الثلثين من مجلس النواب في الدورة الأولى".
المادة 49 - فقرة 2: "يكتفى بالغالبية المطلقة في دورات الاقتراع التي تلي".
مع التذكير بالباب الخاص الذي خصّصه الدستور للحؤول دون الفراغ في الرئاسة، من ضمنه، المادة 74: "إذا خلت سدّة الرئاسة بسبب وفاة الرئيس أو استقالته أو سبب آخر فلأجل انتخاب الخلف يجتمع المجلس فوراً بحكم القانون". وأيضاً المادة 75: "إنّ المجلس الملتئم لانتخاب رئيس الجمهورية يعتبر هيئة انتخابية لا هيئة اشتراعية ويترتب عليه الشروع حالاً في انتخاب رئيس الدولة دون مناقشة أو أي عمل آخر".
النصّ الدستوري متكامل وواضح ودقيق. في حال خلو سدة الرئاسة يجتمع المجلس فوراً (المادة 74) ولا يستطيع القيام بأي عمل آخر سوى انتخاب الرئيس (المادة 75). يجب على غالبية النواب أن يحضروا الى المجلس ليتمّ الانتخاب (المادة 34)، وينتخبون رئيساً بغالبية الثلثين (المادة 49). إذا فشلت العملية في الدورة الأولى، يعاودون الاقتراع على أساس الغالبية المطلقة، أي النصف زائداً واحداً من الأصوات (المادة 49).
إنّ الشروط الأخرى المتذرّع بها للتعطيل بالامتناع عن حضور جلسات الانتخاب هي أيضاً غير موجودة في الدستور. أي دستور في العالم يجيز لنواب الأمة التهرب من أداء واجبهم على امتداد عامين؟ وهذا الوضوح حتّم على ممارسي التعطيل الدستوري ابتكار مفاهيم جديدة لتبرير سلبيتهم، فتكاثرت التبريرات لتعطيل الرئاسة أبرزها: (أ) عدم دستورية مجلس النواب الحالي بسبب تمديده لنفسه، (ب) الدعوة الى انتخاب الرئيس مباشرة من الشعب، و(ج) التوافق على رئيس من خلال "الحوار".
(أ) عدم دستورية التمديد لمجلس النواب الحالي يشكّل حجة جدّية في نظرنا، لكن المجلس الدستوري رفضها رسمياً عندما طُعن فيها، وباتت الحجة خارج الموضوع، لأنّ الأمر يتعلق برئاسة تستفحل الأزمة من فراغها المستمر بلا نهاية، وليس الموضوع دستورية المجلس. فالدستور لا يشكّك في المجلس النيابي الحالي سواء أكان ممدداً لنفسه أم لا، وإلاّ فوجود الجمهورية كلهاعرضة للزوال.
(ب) الدعوة الى انتخاب رئيس مباشرة من الشعب يتطلب تعديلاً دستورياً، في عملية طويلة ومعقدة ليست ممكنة أصلاً من دون الرئيس. ومثلها مثل الدعوات المماثلة لتغييرات جوهرية فهي تنطوي على زيف ومماطلة بفتح أبواب مغلقة على الشّرور من كل نوع، بما فيها عقد مؤتمر دستوري يشكّل سيفاً مصلتًا على الجمهورية، أو "السلات"المعقدة بمواضيع شتى، وجميعهايصطدم بقواعد التعديل الدستوري التي لا تلحظ في أي حال مؤتمراً تأسيسياً أو انتخاب الرئيس مباشرة من الشعب.
(ج) أما في ما خصّ التوافق الرئاسي على طاولة الحوار، فهو تجاهل لحقيقة عدم وجود "الحوار" في الدستور اللبناني، وذلك لسبب وجيه. إنّ الحوار يتمّ طبيعياً وكل يوم داخل حرم المجلس النيابي، وبين السلطتين التنفيذية والاشتراعية، كما في الساحة العامة. ليس إنشاء طاولة الحوار سوى وجه آخر لنسف المؤسسات وأول ضحية له تغييب دور البرلمان دستورياً.
هذا هو تشخصينا للأزمة الرئاسية. إنّ التعطيل مردّه أساساً الى انحرافات دستورية تتجاهل النصوص الواضحة. المهم هو إقناع الرأي العام اللبناني بالعودة الى الدستور الذي هو القانون الأساسي الذي يرعى خلافاتنا، والخلافات هي أصلاً من طبيعة أي نظام ديموقراطي.
آلية انتخاب الرئيس محدّدة بوضوح في المواد المذكورة، وهي بسيطة وسليمة: تتوجه غالبية النواب الى البرلمان وتنتخب بغالبية الثلثين رئيساً للجمهورية. وفي حال عدم النجاح في الدورة الأولى، يعاودون الكرة، ولكن على أساس الغالبية العادية. وهم لا يأتون أي عمل آخر قبل ملء الفراغ في رأس الدولة. من شأن كل قراءة أخرى أن تعطّل الرئاسة الديموقراطية القائمة على التنافس بنفقٍ يؤدي الى الـ 99 في المائة من الأصوات للرئيس، في دستور ممسوخ ليس إلا عنواناً آخر للديكتاتورية.
نطرح مجدداً على المواطن مناقشة علنية للتذكير بهذه الفكرة البسيطة، وهي أنّ الدستور موضوع للتسهيل لا للتعطيل. وإنكفاء التعطيل لا يمرّ بإيران أو بالسعودية، ولا بمعركة حلب أو الانتخابات الأميركية. هذه الذرائع كلها واهية. يزول التعطيل بتفعيل قراءة رشيدة وايجابية للدستور.
هذه المبادرة نتابعها في الأسابيع المقبلة ببعض الأفكار العملية لإزالة التعطيل، وجميعها تحتاج الى العودة الى الفهم الدستوري السليم، فلا يُجتهد في موضع النص ولا يكبّل بقراءات تعطيلية وابتكارات لا فائدة منها سوى التسويف والفراغ . في هذا الفصل الأول من إعادة النظر الى بديهيات دستورنا ، ندعو الرأي العام، ونوّابَنا، الى قراءة رشيدة للدستور اللبناني، وإحيائه بالعمل به.
هذه الوثيقة من نتائج لقاء عقد في بيروت في الثالث من آب المنصرم بين مجموعة من المواطنين والمواطنات للتفكير والعمل براية "لبنان الانسان". وهذا النص هو الأول في سلسلة مبادرات مواطنية للمشاركين وزملاء لهم. 
ومن الموقعين الأوائل على هذه الوثيقة : جويل أبي راشد، أنطوان قربان، جينا ديوان، جبور دويهي، يوسف حيدر، ميشال حاجي جورجيو، سمير خلف، شبلي ملاط، سعود المولى، سليم مزنر، بلال أورفلي، توفيق صافيه، سناء الصلح، رونيه شاموسي، جهاد الزين، نايله كرامي - مجدلاني، شريف مجدلاني..