منذ أيام أصدر المركز العربي للأبحاث والدراسات المؤشر العربي للعام 2015، وتضمن خلاصة استطلاعات أجراها المركز حول عدد من القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الوطن العربي، ومن بين هذه الإستطلاعات وجه المركز سؤالا حول تنظيم داعش فجاءت الإجابات برفض هذا التنظيم والنظر إليه نظرة سلبية بنسبة 89 بالمئة في مقابل 7 بالمئة من المكون العربي ينظرون إلى هذا التنظيم نظرة إيجابية جدا أو إيجابية الى حد ما .

وتحدث المؤشر أن جزءا من المستطلعين اعتبرت أن العوامل الدينية وإعلان الخلافة مواضيع استطاعت داعش من خلالها استقطاب المزيد من المؤيدين وهي بالتالي عناصر القوة التي يتمتع بها هذا التنظيم .

واعتبر المؤشر حسب الإستطلاعات التي قام بها أن 22 بالمئة أعربت عن اعتقادها بأن الإحتقان الطائفي والمذهبي في العراق وسوريا تحديدا هو سبب رئيسي لتطور تنظيم داعش وتمدده، فيما اعتبر حوالي 11 بالمئة أن وجود أفراد متطرفة ساهم ايضا بشكل أو بأخر في نمو هذا التنظيم واستمراره .

  وبالنظر إلى هذه الإستطلاعات يلاحظ وجود البيئة الحاضنة لهذا التنظيم وأسبابها التي أشرنا إليها كفيلة بتطوره وتمدده .

  وبناء عليه فإن ثمة عوامل عديدة تساعد هذا التنظيم على الاستمرار والتمدد والتطور لناحية الحضور السياسي والعسكري الميداني من جهة، ومن جهة ثانية التأييد المستمر من بعض فئات المجتمع .

ذهب بعض الخبراء والمحللين خلال الحديث عن تنظيم داعش الى ربط أسباب نشوء التنظيم بالماضي الإسلامي أحيانا وبالحاضر المتردي أحيانا أخرى وكان هناك تحليلات سياسية وإجتماعية عديدة، إلا أن ما نود الإشارة إليه هنا هو القوة التي يتمتع بها تنظيم داعش في التجنيد والرغبة في المقابل بالانتماء لهذا التنظيم . وفيما يلي لمحة عامة عن وسائل التجنيد هذه وأثرها على تطور التنظيم واستمراره.

  أولاً: من الواضح جداً للعيان أن داعش تركز كثيراً في جذبها على التكثيف الإعلامي من خلال وسائل التواصل الاجتماعي و “تويتر” خصوصاً، وغالباً ذلك يتم من خلال الموالين للفكر والمتعاطفين والمتأثرين به ، وكلنا يعلم أن أثر مواقع التواصل الاجتماعي بات اليوم أكثر حضورا وجذباً من الإذاعة والتلفاز خصوصاً على “شريحة داعش المستهدفة” شريحة الشباب والمراهقين.  

  ثانياً: يعتمد التنظيم على قوة الصورة والعمل السينمائي، احترافية في التصوير والسيناريو والإخراج بجودة عالية جداً، بشكل يُشعر المشاهد أنه أمام أحد الأفلام في دور السينما، وهذا يخرج المشاهد من حالة الملل المعتاد عند مشاهدة مثل هذه الأفلام التقليدية إلى حالة الاستمتاع والشعور بالإثارة عند المشاهدة، مما قد يسبب على المدى الطويل إدماناً على المتابعة وتقصي الأخبار وآخر المستجدات.  

  ثالثاً: استخدام المؤثرات الصوتية والأناشيد الحماسية والآهات في خلفية أفلامها المعروضة، وإظهار الدور البطولي لمجاهدي “داعش” وذكائهم والقدرة الفائقة على “فرد العضلات” على العدو من خلال الإبراز المتكرر لنجاحاتهم، ناهيك عن محاولة تشويه صورة العدو قدر الإمكان، وهذا كله يؤثر بشكل غير مباشر على الجانب العاطفي لدى المشاهد، ولا يخفى على الكثير اليوم أن المشاعر والعواطف هي المحرك الرئيسي نحو اتخاذ القرارات وليس التفكير المنطقي، فالتفكير والمنطق هو المبرر لاتخاذنا تلك القرارات وتقديم آلية التنفيذ.  

رابعاً: العمل على قوة تسويق الفكرة والترويج لها دعائيا ، بأن يظهر عميل لإحدى الشركات في لقاء عبر الشاشات ويذكر تجربته حول هذا المنتج، وأنه فعال ومفيد له ويبدأ بنصيحة المشاهد بأن يشتري هذا المنتج، وهنا نلاحظ قوة التنظيم على هذا الصعيد من خلال منفذي العمليات الانتحارية الذين يتركون وراءهم تصويرا أو تسجيلا صوتيا سابقا لتنفيذه العملية الانتحارية ويتم بثه بعد نجاح العملية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومن خلال هذه الأداة يستطيع التنظيم التأثير والإقناع على النفس البشرية ويسمى  ذلك علميا قانون “الموافقة الاجتماعية” Social approval” حيث يؤدي ظهور العديد من الأشخاص في مثل هذه المشاهد المصورة إلى إشعار المشاهد أن هذا الفكر ليس وحيداً غريباً؛ بل هناك الكثير من الشباب يتبناه بل وينضم إليه، فماذا تنتظر أنت ؟.  

خامساً: استراتيجية الجذب بمعنى أن (داعش غالباً لا تأتي إليك؛ بل أنت تبحث عنها)، ويعتمد ذلك اعتماداً رئيسياً على عدم محاولة فتح قناة مباشرة مع العميل؛ بل عمل دعايات وإعلانات عشوائية، والتركيز على أسلوب “كلمة الفم-Mouth talk”، بناء وإدارة فعالة للعلاقة مع العملاء وهذا بالضبط ما تقوم به داعش -رغم تكلفته الباهضة إلا أنه أكثر أماناً لهم- من خلال مواقع التواصل الاجتماعي وإنشاء الهاشتاقات ليكون قناة فاعلة للعميل الجديد للبحث عن التنظيم، والتشجيع المستمر على الدعم المتبادل لحسابات المنضمين للتنظيم أو حتى المتعاطفين معه، وهذه الاستراتيجية بالطبع تساعد على قوة وسرعة الانتشار للفكر، فداعش تروج وأنت تبحث.

  ولا يكتفي التظيم بذلك فثمة وسائل أخرى عديدة ما زالت محل اهتمام التنظيم في التجنيد ووسائلة، ويملك التنظيم على هذا الصعيد وسائل عدة سيتم الاشارة إليها في مكان آخر .