الهيركات أو الاقتطاع لن يطال سوى شريحة واحدة من المواطنين، أي تلك التي وثقت بالدولة والمصارف، فيما سينجو منه جميع النافذين الذين سحبوا ودائعهم من المصارف أو الذين هرّبوا أو حوّلوا ودائعهم الى الخارج .
 
ما إن تسرّب مشروع الخطّة التي أعدّتها الحكومة اللبنانية بالتعاون مع شركة "لازارد" الفرنسية، حتى هبّت عاصفة من الاحتجاجات العنيفة، اعتراضاً على عددٍ من بنودها خصوصاً موضوع الهيركات من الودائع المصرفية، بحيث لم يقتصر الرفض على المعارضة السياسيّة، بل شمل أيضاً أطرافاً أساسيّة في الحكم إلى جانب جمعية المصارف والنقابات المهنيّة والحقوقيّة ومعظم شرائح المجتمع اللبناني وأطيافه المختلفة.
 
ويقول العميد المتقاعد دانيال الحداد عبر "أخبار اليوم":"المسألة ليست بهذه البساطة كما تخيّل البعض، أو كما دفعت به مصالحه الخاصة ونزواته الانتقائية والانتقامية، فالهيركات يشكّل اعتداءً صارخاً على ممتلكات المواطنين، تلك التي نصّ الدستور اللبناني على حمايتها، لا سيّما  الفقرة " و" من مقدمته والمادة 15 من بابه الأول – الفصل الثاني، وذلك بمعزل عن حجم هذه الممتلكات أو نوعها أو قيمتها، وهو أيضاً  مخالف للدستور لا سيما الفقرة " ج " من مقدمته التي تنصّ على مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين. وفي هذه النقطة بالتحديد لا بدّ من الإضاءة على مجموعة عوامل تنسف مبدأ المساواة من أساسه وأهمها:
 
أولاً: الهيركات أو الاقتطاع لن يطال سوى شريحة واحدة من المواطنين، أي تلك التي وثقت بالدولة والمصارف، فيما سينجو منه جميع النافذين الذين سحبوا ودائعهم من المصارف أو الذين هرّبوا أو حوّلوا ودائعهم الى الخارج منذ بداية العام 2019 أو ربّما قبل هذا التاريخ وحتى ما بعد انطلاق الحراك الشعبي في شهر تشرين الأول من العام نفسه، وذلك بناء على معلومات تسرّبت إليهم حول احتمال حصول انهيار وشيك للمالية العامة. 
 
ثانياً: الاقتطاع لن يطال الذين سحبوا ودائعهم من المصارف واشتروا بها عقارات وشركات وأشياء أخرى في الداخل والخارج.
 
ثالثاً: الاقتطاع لن يشمل ثروات المواطنين غير المنقولة كالعقارات وغيرها، وهذه الثروات تعادل في الحقيقة أضعاف أضعاف ودائع مواطنين في المصارف، قد لا تساوي قيمة الواحدة منها  ثمن شقّة سكنية متواضعة، فأين العدالة في ذلك ؟
 
رابعاً: ماذا عن الحسابات المشتركة للودائع ؟ وهل من العدالة في شيء اذا كان أربعة أشخاص مثلاً يملكون وديعة في حساب واحد، أن يتم التعامل معهم كشخص واحد؟ وماذا لو قام  صاحب وديعة مثلاً واستدراكاً منه للاقتطاع المحتمل بتوزيع وديعته على أفراد عائلته وأقاربه بحيث لا تتعدّى قيمة كلّ جزء منها الحدّ المعفى من الاقتطاع؟
 
خامساً: إن عملية الاقتطاع من أموال المودع تقتضي جمع حساباته من المصارف كلّها، وهذا ما يتناقض مع قانون السرية المصرفية المعمول به منذ العام 1956 ، والذي جعل من مصارف لبنان واحةً لاجتذاب رؤوس الأموال من الداخل والخارج.
 
سادساً: ماذا عن الودائع التي دخلت المصارف بعد السابع عشر من شهر تشرين الأوّل المنصرم أيّ يوم انطلاق الحراك الشعبي، أو التي ستدخل بعد تاريخ الاقتطاع إذا حصل، هل سيشملها هذا الأمر؟ واذا كان الجواب بالنفي فما هو تبرير العدالة والمساواة في هذا الموضوع؟
 
سابعاً والأهم: هل مسؤولية سداد ديون الدولة تقع على عاتق المودعين فقط، أم على عاتق الشعب اللبناني بأسره؟ ألم يستفد اللبنانيون جميعاً من هذا الدين بشكل أو بآخر،  سواء من خلال إعادة إعمار البلاد بعد الحرب الأهلية، أو من خلال تثبيت سعر صرف الليرة طوال سبعة وعشرين عاماً، والاستفادة من المجالس والهيئات والصناديق التنفيعية، والتوظيف الهائل في القطاع العام، ودعم قروض الإسكان التي تجاوزت الـ 500 ألف قرض سكني منذ العام 1994 وحتى تاريخه ....
 
ممّا سبق يتبيّن بشكلٍ واضح أنّ عملية الهيركات برمّتها هي غير دستورية، لا بل هي شكل من أشكال البلطجة المرتجلة على أرزاق قسم من المواطنين، وهي عملية انتقائية، فوضوية، ستؤدي إن تمّ فرضها الى زعزعة الثقة بالدولة وبالاقتصاد الوطني الحر، وإلى تدمير القطاع المصرفي بالكامل، وهي إلى جانب ذلك كلّه، لن تسهم إطلاقا في توفير العملات الصعبة التي يحتاجها لبنان إلاّ عبر المزيد من الديون الخارجية والهدر والفساد، لأنّ حسابات المصرف المركزي والمصارف بالدولار هي حسابات دفتريةـ وهميّة، أي كمن يحاول الاقتطاع من لا شيء، فأين الحكمة من هذا المشروع العبثي؟".