من الواضح انّ الحكومة أمام مأزق ليس سهلاً تجاوزه او خرقه، وربما سيكون السعي الى تطبيق الاصلاحات المقترحة والتي ستقول بما لا يتحمّله اللبنانيون المُنهكون أصعب وأدهى وأقسى مما يتوقعه أحد، وإلّا فإنّ الأمور ستبقى متروكة على عواهنها. وغداً لناظره قريب .
 

مع استمرار الأزمة المالية والنقدية، والارتفاع الجنوني في أسعار المواد الغذائية، وبقاء الدولار على وتيرته التصاعدية؛ وفي غياب أية بارقة أمل لإعادة التوازن إلى المرافق الحيوية التي تهمّ المواطنين، وعدم توقيع رئيس الجمهورية حتى تاريخه على قانون موازنة العام 2020 التي أقرّها مجلس النواب، لم تُسجِّل زيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني إلى لبنان أي خرقٍ في جدار الأزمة المتفاقمة، بل أعادت تظهير الخلفية الحقيقية لفريق الحكم الحالي.

وإذا كانت تصريحات المسؤول الإيراني بقيت في إطار الوعود والعموميات، ولم تحمل استعداداً فعلياً من قِبل إيران لمساعدة لبنان، فإن السواد الأعظم من اللبنانيين لم يعوّلوا كثيراً على هذه الزيارة في ظل العقوبات الدولية المفروضة على طهران. وكما هي الحال بالنسبة إلى القضايا المفصلية ينقسم فيها اللبنانيون تأتي زيارة لاريجاني لتعمّق هذا الإنقسام، إذ أن قسمًا منهم يؤيد المبادرة الإيرانية، وعلى رأسهم حزب الله وفريق 8 آذار، فيما يعتبر القسم الآخر أن الخطوة الإيرانية تأتي لتصب الزيت على النار في مثل الظروف التي يمر بها لبنان.

وفي سياق التعليقات على زيارة لاريجاني، رأت مصادر مقربة من حزب الله أن الزيارة، مهمّة وبنّاءة، فهي جاءت لتؤكّد أن لبنان لم يعد متروكاً، وأن الجمهورية الاسلامية بإمكانها أن تعوّض عليه كل ما فاته من المساعدات التي وُعِد بها من بعض الدول العربية والأوروبية، أكانت من خلال سيدر أو سواه، وذلك وفق مصادر الحزب التي اعتبرت أن، إيران لا تتعاطى مع لبنان من خلال حزب الله أو أصدقائها، بل تتعامل معه كدولةٍ مستقلة وحليفة لها في هذه المنطقة. 

في المقابل، فإن مصدراً في القوات اللبنانية رأى أن أي زيارة خارجية تصب في مصلحة الدولة اللبنانية تكون موضع ترحيب، واستدرك طبعاً إيران دولة موجودة على مستوى المنطقة، إلّا أن هذه الزيارة تأتي في سياق رغبتها بتوجيه رسالةٍ إلى الدول التي تفرض عليها عقوبات بأنها موجودة. وأضاف المصدربالنسبة لنا كقوات لبنانية لا مشكلة لنا مع إيران كدولة، إنما المشكلة عندما تصرّ إيران على أن تدعم حزب الله وليس الدولة اللبنانية.  فبالنسبة لنا مشروع الدولة هو الأساس.

وزير الاقتصاد السابق آلان حكيم اعتبر بدوره أن زيارة لاريجاني تأتي في إطار ينفي ما كان يقوله أمين عام حزب الله حسن نصرالله أن حكومة حسان دياب ليست حكومة حزب الله. ورأى أن التواجد الإيراني اليوم في لبنان، جاء بعد ان اقتُلع لبنان من محيطه الاقتصادي الطبيعي العربي ولم يعد لديه صلة، ليحط في مجتمعٍ غريب عنه وعن اقتصاده، والبرهان أن هذه الزيارة لم تخدم الوضع الاقتصادي المنهار.  فالدولة اللبنانية مفلسة وهي على هامش اهتمامات المجموعة الدولية فلا يتعاطى معها أحد، ولا يزورها أحد، والمشكلة أن لبنان يعيش حالة طلاق مع المجتمع الدولي.

 

اقرا ايضا : هل سيفقد لبنان صدقيته عربياً ودولياً بسبب اليوروبوند

 

وإلى زيارة لاريجاني الذي غادر بيروت مساء أمس، فإن زيارةً أخرى لوفدٍ من صندوق النقد الدولي شغلت اللبنانيين، وهي زيارة علّق عليها المصدر القواتي بالقول إن، رأي صندوق النقد أساسي بكيفية خروج لبنان من هذه الأزمة سواء عن طريق جدولة الدَّين، أو إعطاء النصائح التي قد تعتمدها الحكومة بالنسبة لليوروبوند، مشيراً إلى أن، القوات يهمها الخروج من الأزمة مخافة سقوط لبنان، وهذا الاهتمام بكيفية مساعدة لبنان مرحّب به.  كذلك وصف حكيم زيارة وفد صندوق النقد الدولي إلى لبنان بـ الإيجابية، لكنها لا تكفي وحدها.

 فلبنان يحتاج خارطة طريق تعيد إليه اعتباره أكان من قِبل صندوق النقد أو غيره.  اوساط مطلعة تقول إن الحكومة هي بين مطرقة الأميركيين وسندان الإيرانيين في هذا المجال. 

فإذا تم رفض العرض الإيراني المتكامل يعني زيادة الخسائر الماليّة من دون وجود بدائل. وفي حال قبول العرض الذي قدمته طهران، فإن الولايات المتحدة ستفرض عقوبات على قطاعات مصرفيّة واقتصاديّة لبنانيّة. ومن هنا يُرجَّح ان تنطلق الحكومة في مقارباتها السلبية لموضوع العرض الإيراني. بينما يقول خبراء أن بإستطاعة لبنان تهديد العرب والأميركيين انه في حال عدم مساعدة لبنان، سيلجأ اللبنانيون الى قبول مساعدات ايران. لكن امر وصول الغاز او المشتقات النفطية الإيرانية سيواجه مطبّات صعبة لمنعه من الوصول عبر قناة السويس الى لبنان، كما سبق وحصل مع ناقلة النفط الإيرانية التي كانت آتية في الأشهر الماضية الى سوريالكن بين وعود إيران المُحاصَرة ونصائح صندوق النقد المشروطة عجز السلطة يكبُر.

وامام تلك المعضلات، قد لا تسبب السلبية الحكومية تجاه العرض الإيراني بأي أزمة بين القوى الداعمة للحكومة. لكن عدم القبول بالعرض في ظل غياب العروض الأخرى البديلة الموازية وغير المكلفة قد تطيح بالحكومة ولو بعد أشهر لأسباب إقتصاديّة وليست سياسيّة، خصوصا في مقاربة ملفّ الكهرباء الذي سيكون عنوان المرحلة. وعليه، يبقى واضحاً انّ الحكومة أمام مأزق ليس سهلاً تجاوزه او خرقه، وربما سيكون السعي الى تطبيق الاصلاحات المقترحة والتي ستقول بما لا يتحمّله اللبنانيون المُنهكون أصعب وأدهى وأقسى مما يتوقعه أحد، وإلّا فإنّ الأمور ستبقى متروكة على عواهنها. وغداً لناظره قريب .