تساءل كثيرون عن سر القوة التي امتلكها الرئيس المكلّف تأليف الحكومة حسان دياب فجأة، فيما يُوحي منذ تكليفه أنه شخصية هادئة ورصينة وعصامية وتتعاطى مع القضايا التي تتصدى لها بهدوء ومسؤولية وسلاسة وعدم تسرّع.
 

البعض يقول انّ التبدل او التطوّر، في شخصية دياب بدأ إثر لقائه الليلي الطويل الأخير في منزله مع الوزير جبران باسيل الذي زاره بناء على رغبة قيادة «حزب الله» التي طلبت منه تسهيل مهمة الرئيس المكلف لتأليف الحكومة سريعاً، لأنّ البلاد لم تعد تتحمل مزيداً من التأخير في إنجاز هذا الاستحقاق الدستوري. وفي هذا اللقاء انزعج دياب من اسلوب باسيل في التعاطي مع الملف الحكومي، الذي بَدا كأنه هو من يؤلف الحكومة وليس الرئيس المكلف، حيث جاء حاملاً إليه اسمين لكلّ حقيبة من الحقائب الوزارية المخصصة للمسيحيين، داعياً إيّاه الى اختيار احدهما حتى يُصار الى تأليف الحكومة على الفور ولو كان في منتصف ليل ذلك اليوم.

 

لكنّ دياب لم يجب على باسيل فاستمهله، ليس للاختيار بين الاسماء التي اقترحها، وإنما ليشكو الى الافرقاء الآخرين سَعي باسيل للاستئثار بكل الوزراء المسيحيين، واعتدائه على صلاحيات الرئيس المكلف.

 

وقد بلغ الخلاف ذروته بإصدار دياب بيانه الأخير ليل الجمعة ـ السبت مؤكداً انه لن يعتذر، ورافضاً الافتئات على صلاحياته في التأليف، مؤكداً انّ رئاسة الحكومة «ليست مكسر عصا». وتَبع هذا البيان رد رئاسي عبر احد الوزراء المقرّبين من رئيس الجمهورية، جاء على طريقة «بدلاً من أن يكحلها عَماها».

 

والواقع انّ سر قوة دياب، حسب سياسي مطّلع، يتخطى الواقع المحلي الى الاقليمي، حيث انّ الرجل بدأ يلعب دوراً «على مستوى اعلى من لبنان وعلى وزن حسان» على حد تعبيره، متوقفاً عند مواقف بعض المرجعيات الداخلية وكذلك عند بعض المؤشرات التي تدل الى رضى بعض الجهات الاقليمية الفاعلة التي تتعاطى الشأن اللبناني على الرجل، أو على الاقل انها لا تحبّذ ان يعرف أحد مهمته.

 

ويشير هذا السياسي المتابع للاستحقاق الحكومي وما حوله، الى انه على رغم المواقف والاصوات السنية التي شكّكت بتمثيل دياب لطائفته ودعته الى الاعتذار عن التأليف، لم يصدر عن دار الفتوى حتى الآن اي موقف رسمي يعارضه، وكذلك لم يصدر عن المملكة العربية السعودية التي غالباً ما تهتم تقليديّاً بموقع رئاسة الحكومة ومن يشغله، أي موقف لا يؤيّد تكليف الرجل او يعارضه، بل على العكس وعندما أطلّ احد الاعلاميين السعوديين عبر إحدى القنوات التلفزيونية اللبنانية معبّراً عن موقف سعودي يؤيد الحريري ويعارض دياب، سارعت السفارة السعودية في بيروت الى نفي هذا الامر ببيان اكد انّ ما قاله هذا الاعلامي يعبّر عن موقف شخصي ولا صفة رسمية له.

 

ومع انه لم يصدر اي موقف سوري سلبي او ايجابي حتى الآن من تكليف دياب، فإنّ السياسي إيّاه لا يستبعد وجود ارتياح لدى دمشق الى هذا التكليف، على رغم انّ بعض حلفاء سوريا بدأوا يتبرّمون منه ويتمنّون اعتذاره، بل انّ بعضهم بدأ يعمل لدفعه الى الاعتذار، فيما هو يصرّ على تأليف حكومة اختصاصيين مستقلين ويقول انّ الجميع أيّد تأليفها خلال الاستشارات، فماذا عدا ممّا بَدا حتى تغيّر الغالبية الساحقة التي سَمّته رأيها وتطالب بحكومة تكنو- سياسية او سياسية اذا اقتضى الامر في ضوء التطور الاخير الذي شهده العراق؟

 

في حين انّ القوى السياسية التي لم تُسمّ دياب في الاستشارات وفي مقدمها «القوات اللبنانية» و«الحزب التقدمي الاشتراكي» لا تعلن اي مواقف ضده، حتى انّ تيار «المستقبل» توقّف منذ ايام عن انتقاده او مهاجمته.

 

على انّ أحد المطّلعين يتوقف عند ما يدور في بعض الاوساط من كلام حول ما وصل اليه دياب، فيشير الى انّ الرجل يحظى بدعم اقليمي ملحوظ، ينطلق من خلفية انّ العلاقات بين سوريا وبعض الدول العربية ستشهد في وقت ليس ببعيد تطورات ربما تتوّج في القمة الدورية العربية في آذار المقبل، إذ انّ بعض هذه الدول استنتجَت على ما يبدو بعد كل ما جرى انّ حضورها القوي في لبنان سابقاً، وربما لاحقاً، لا تؤمّنه هذه الطائفة او تلك وإنما النفوذ السوري، بدليل انّ هذا الحضور قد ضمر إثر انحسار نفوذ دمشق.

 

وحتى انّ الاميركيين، يقول المصدر نفسه، أدركوا وسيدركون انهم خسروا كثيراً من نفوذهم في لبنان بعد انحسار النفوذ السوري، ما يشير الى ان النزاع في لبنان اليوم ليس مع الغرب بمقدار ما هو نزاع بين من لا يريد عودة النفوذ السوري اليه وبين القوى التي تريد له ان يعود لأنه يؤمن لها مصالحها.

 

علماً انه لا يمكن الاسقاط من الحسبان الدور الروسي المتعاظم في لبنان والمنطقة ارتكازاً على مركزيته في سوريا، وفي هذا الاطار تبدو العلاقة الروسية ـ الخليجية عموماً والروسية ـ السعودية خصوصاً ممتازة، ويدلّ الى ذلك اجتماع الروس مع وزير النفط السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان والحفاوة التي أحيط بها خلال زيارته لموسكو في تشرين الأول الفائت.

 

ولذلك، يضيف المصدر، انّ قوة الحضور الخليجي في لبنان بات من الصعب تأمينها بعد الآن عبر طوائف او احزاب موالية من هنا او هناك، فهذا الحضور لم يكن قوياً سابقاً، حتى في عز قوة التمثيل النيابي التي كانت تتمتّع بها بعض الطوائف والاحزاب والتيارات، وانما بدأت هذه القوة تتوافر عبر وسطاء واحزاب أخرى ليست بالضرورة من لون طائفي او مذهبي او سياسي معين.

 

ويرى المصدر نفسه انّ بعض القوى التي سَمّت دياب تعيش الآن ما يشبه «الحنين الى التسوية»، وبعض اوساطها يتندّر ويقول: «يا ليتنا أعطينا الحريري ما طلبه على مستوى مواصفات الحكومة لكنّا ما وصلنا الى ما نحن فيه». ومن هذه القوى المتندّرة «التيار الوطني الحر» الذي داسَ على «ثلاثة ألغام» سياسية إنفجرت به: الاول، الاستشارات التي لم تأت بالمهندس سمير الخطيب. والثاني، التكليف الذي جاء بدياب. الثالث، التأليف الذي كان يعتقد «التيار» انه «سَهل العريكة» اعتقاداً منه انّ الرئيس المكلف دياب هو سنّي ضعيف ليتبيّن له العكس، حيث بدأ الرجل يكتسب قوة في ضوء الاشتباك السياسي الذي حصل الجمعة الماضي.

 

وانطلاقاً من كل هذه المعطيات، يقول المصدر إنّ أحداً لا يمكنه إزاحة دياب عن جادة التكليف والتأليف إلّا في حال تمكّن الرجل من تأليف حكومة مَثل بها امام مجلس النواب ولم تنل الثقة، فتصبح عندها حكومة تصريف اعمال في الوقت الذي سيُسارع معارضوه عندها الى إجراء استشارات تكليف وتأليف جديدة للاتيان بالرئيس والحكومة الموعودين.