فاجَأ موقف «القوات اللبنانية» بعدم تسمية السفير نواف سلام او غيره لتأليف الحكومة الجديدة كثيراً من الاوساط السياسية، خصوصاً بعدما ساد انطباع مفاده أنّ كل منظومة المعارضة ستسمّي هذا الرجل، وقد عزّز هذا الانطباع اعلان «اللقاء الديموقراطي» في حضور رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط من انه سيسمّي سلام، فماذا عدا ممّا بَدا حتى ذهبت «القوات» الى هذا الموقف؟

ما حصلَ من لقاءات واتصالات في مختلف الاتجاهات عشية يوم الاستشارات وخلاله دفعَ بعض الاوساط السياسية والمعنية الى اعطاء الموقف «القواتي» أبعاداً وخلفيات وتفسيرات اخرى تتجاوز موضوع تسمية سلام من عدمها، خصوصاً بعدما انتهت الاستشارات بتكليف الرئيس نجيب ميقاتي بأكثرية 54 صوتاً مقابل 25 صوتاً لسلام و47 صوتاً ممتنعاً عن التسمية وصَوت للرئيس سعد الحريري، وآخر للدكتورة روعة الحلاب ومقاطعة النائب أشرف ريفي.

 

من هذه التفسيرات انّ «القوات» وحلفاءها في الداخل والخارج أدركوا من خلال البوانتاجات التي اجروها انّ خوض معركة التكليف ضد ميقاتي ستكون خاسرة، وانّ ما حصل في انتخابات رئاسة المجلس النيابي ونائبه وهيئة مكتبه ورؤساء اللجان النيابية واعضائها والمقرّرين التي جاءت لمصلحة الفريق الآخر، سينسحب على معركة التأليف.

 

وبالتالي، لا داعي لتلقّي خسارة جديدة تأكل من الرصيد الذي حَقّقوه من رصيد في الانتخابات النيابية جعلهم يعتقدون انهم فازوا بالاكثرية النيابية، وانّ عليهم تَجنّب هذه الخسارة وتجاوز التكليف الى خوض معركتين: الاولى، تعطيل التأليف اذا استطاعوا الى ذلك سبيلاً حتى لا تكون هناك اي فرصة للرئيس ميشال عون لتحقيق أي مكاسب في الاشهرالقليلة المتبقية من ولايته يمكن لرئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل وحلفائه «حزب الله» وغيره أن يستثمروها في الاستحقاق الرئاسي. اما المعركة الثانية فهي التحضير لخوض انتخابات رئاسة الجمهورية على قاعدة انّ النجاح في ايصال رئيس من صفوفهم من شأنه ان يغيّر موازين القوى والمعادلات لمصلحتهم في عهده.

 

وذهبَ فريق آخر من السياسيين الى القول ان «القوات» استندت في موقفها من التكليف إلى معطيات اقليمية ودولية طارئة إستدعت من اصحابها التهدئة في لبنان وإبقاء القديم على قدمه حكومياً ببقاء ميقاتي في السرايا الحكومية ليؤلّف حكومة تُدير الاستحقاق الرئاسي في الخريف المقبل وبعدها يكون لكل حادث حديث، في ضوء ما ستؤول اليه تلك المعطيات الاقليمية الدولية «الايجابية». وكان الملاحظ هناك انّ كل ما قيل عن وجود تدخل سعودي في الاستحقاق الحكومي من خلال حركة سفير خادم الحرمين الشريفين وليد البخاري ولقاءاته واجتماعاته مع مرجعيات وقيادات سياسية ودينية ومجموعات من النواب، سحب من التداول فجأة ليأتي موقف «القوات» ويؤكد عدم وجود مثل هذا التدخل السعودي ويدحَض ما قيل من انّ الرياض تدعم تسمية سلام، علماً انه لم يصدر عن البخاري علناً او خلال لقاءاته اي موقف يشير من قريب او بعيد الى وجود توجّه سعودي من هذا النوع لأنه لو كان موجوداً لكان سلام قد فاز في التسمية بأكثرية تتكوّن من غالبية الاصوات الـ 47 التي امتنعت عن تسميتها مُضافاً اليها الاصوات الـ 25 التي نالها، الامر الذي لم يحصل.

 

وذهب فريق ثانٍ من السياسيين الى اعتبار موقف «القوات اللبنانية» بعدم تسميتها أي شخصية سنية في استشارات التكليف «يتراوح بين الإساءة إلى الموقع، وبين إعطاء الانطباع بأنّ الطائفة السنية باتت تفتقد إلى النخَب والكفايات».

 

لكنّ مصادر بارزة في «القوات اللبنانية» عدّدت «الاسباب الموجبة» لموقفها كالآتي:

- أولاً، اتّهام «القوات» بالإساءة الى موقع الرئاسة الثالثة والنخَب السنية هو اتهام باطل وساقط، لأنّ مَن لا يقيم وزنًا لهذا الموقع لا يكلِّف الرئيس فؤاد السنيورة مرتين متتاليتين، ولا يكلِّف الرئيس سعد الحريري 4 مرات، ما يعني أنّه عندما كان الخيار السياسي لا لبس فيه في زمن 8 و 14 آذار كانت «القوات» في صدارة المواجهة والتسمية، وعندما تبدّل المشهد فَضّلت عدم التسمية.

 

- ثانيًا، عدم التسمية كالورقة البيضاء هو خيار دستوري، فالمواطن الذي يتكبّد مشقّة الطريق لممارسة حقّه في الانتخاب ويقترع بالورقة البيضاء هذا حقّه، ومَن يتمسّك في المشاركة بالاستشارات ويفضِّل عدم التسمية فإنّه يمارس حقّه الدستوري، وإلا كان في إمكان المشرِّع أن يُلزم الناخب والنائب بالتسمية لا بعدمها.

 

- ثالثًا، اتّهام «القوات» بعدم التسمية هو تَحامل وحملة مبرمجة ضدّها، لأنّ القاعدة لدى «القوات» هي التسمية والاستثناء هو عدم التسمية، والدليل انّها في موازاة تسميتها للرئيسين السنيورة والحريري سمّت الرئيس تمام سلام والسفير السابق نواف سلام. وبالتالي، من أصل 11 دعوة لاستشارات تكليف منذ العام 2005 سمّت 8 مرات من أصل 11، ما يعني أنّ القاعدة هي التسمية، والاستثناءات الثلاثة مردّها إلى الآتي:

 

أ - فَضّلت عدم تسمية أي شخصية في مواجهة تكليف الحريري الثالث في عهد الرئيس ميشال عون حرصًا على علاقتها معه، وحاولت إقناعه بالامتناع عن التكليف بعد ثورة 17 تشرين وفي عهد سيعمل المستحيل لإفشاله، وقد ثَبتت صحة وجهة نظر «القوات» بدليل اعتذاره لاحقًا عن التكليف.

 

ب - فَضّلت عدم تسمية أي شخصية في مواجهة التكليف الأوّل للرئيس نجيب ميقاتي في عهد عون، لأنّه حظي بتأييد «المستقبل» ونادي رؤساء الحكومات، وعدم التسمية رسالة موجّهة إلى الرئاسة الأولى لا الثالثة ومفادها أنّه يستحيل على أي رئيس حكومة أن يحقِّق أي شيء في عهد عون. وبالتالي، هي رسالة داعمة للرئاسة الثالثة لا العكس.

 

ج - فَضّلت عدم التسمية في استشارات الخميس الفائت في رسالة مُثلّثة: الأولى إلى عون بأنّه يستحيل التعويل على أيّ عمل حكومي إنقاذي قبل نهاية ولايته. والثانية إلى سلام بأنّ تسميته في المرة الأولى جاءت بعد عصف انفجار المرفأ وثورة تشرينية وإرادة بالتغيير، خصوصًا أنّ صورته شكّلت مطلبًا شعبيًّا وجماهيريًّا. أمّا بعد ثلاث سنوات فهو مُطالَب بتحديد موقفه من شكل الحكومة التي يُزمع تأليفها في حال تكليفه والقضايا النزاعية التي تبدأ بسلاح «حزب الله»، ولا تنتهي بإدارة الدولة، إذ لا تكفي السيرة الحسنة من دون التزام واضح بالقضايا العامة.

 

والرسالة الثالثة انّ التأليف تحقيقًا لهدف العهد غير مرغوب في ظلّ أولوية التركيز على الاستحقاق الرئاسي في مرحلة طبيعتها انتقالية بامتياز، وأيّ تسمية لرئيس حكومة في هذه المرحلة التي لن يُصار فيها إلى تأليف ستُلزِم «القوات» بنحوٍ أو بآخر بهذا الاسم بعد أشهر قليلة على أثر الانتخابات الرئاسية، كما أنّ «القوات» لا تحبّ الاستعراض وتسجيل المواقف، واي موقف تتخذه يجب أن يكون مؤثِّرًا وفي السياق الوطني المطلوب.

 

رابعًا، بعدما أظهَرت «القوات» بأنّ عدم التسمية هو الاستثناء المبرّر في المرات الثلاث والتسمية لـ8 مرات، فإنّ المشكلة ليست في المواقع الدستورية إنما في من يترأسها.

 

ومشكلة «القوات» اليوم هي مع رئيس الجمهورية قبل اي موقع آخر، فيما لم تكن مواجهة «القوات» يومًا مواجهة من طبيعة طائفية او دستورية، إنما جوهرها يرتكز على مشروع سياسي عنوانه الوصول إلى الجمهورية القوية ومَن يعرقل هذا الهدف، ولا حاجة إلى التذكير بأنّ رئاسة الحكومة شكّلت رأس حربة مواجهة محور الممانعة، كما لا حاجة إلى التذكير بأنّ مواجهة هذا المحور تتطلّب وحدة موقف بين الجماعات ورأي عام عابِر لهذه الجماعات، أي ما تحقّق في زمن 14 آذار، وما حَققته انتخابات 15 أيار من تراجع «حزب الله» في كل البيئات اللبنانية» على حد تعبير المصادر القواتية نفسها.