دخل عهد الرئيس ميشال عون ورئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري في مواجهة مفتوحة، وبات كل منهما في حاجة الى تحقيق انتصار على الآخر، لأنهما يخوضان هذه المواجهة السياسية على طريقة «يا قاتل يا مقتول». ففي حال نجاح العهد بتأليف حكومة برئاسة الرئيس المكلف حسان دياب فإنّ ذلك سيعني انّ الحريري بات خارج السراي الحكومي، وتالياً خارج المعادلة الوطنية والسياسية والحكومية الى أمد طويل.
 

بات الحريري على خلاف مُستحكم مع معظم القيادات والقوى السياسية. فهو من جهة على خلاف مستحكم مع «التيار الوطني الحر» برئاسة الوزير جبران باسيل، الى درجة انّ هذا التيار عاد الى التلويح مجدداً بـ«الإبراء المستحيل»، وبالتالي عادت العلاقة بينهما الى ما قبل التسوية الرئاسية.

 

امّا علاقته مع حزب «القوات اللبنانية» فليست على ما يرام في ظل انعدام ثقة متبادل، خصوصاً بعد الموقف الاخير الذي اتخذته القوات بعدم تسميته او تسمية غيره لرئاسة الحكومة العتيدة. كما انّ علاقته مع «الحزب التقدمي الاشتراكي» برئاسة وليد جنبلاط باتت تسودها برودة شديدة.

 

وانّ اقتراب الحريري من «الثنائي الشيعي»، أي حركة «أمل» و«حزب الله»، يؤدي، في رأي البعض، الى ابتعاد بيئته عنه، الأمر الذي يجعله يُحاذر الاقتراب كثيراً من هذا الثنائي.

 

ويرى البعض انّ الحريري في ضوء هذا الواقع يجد نفسه أنه بات بلا حلفاء حقيقيين، ولذا فإنّ هدفه الاساس بات العودة الى السراي الحكومي، وهو في كل المواقف والتحركات التي يقوم بها إنما يوجّه رسائل مباشرة وغير مباشرة الى العهد ومن يقف خلفه، مفادها انه هو المِعبَر والممر لأيّ شخصية سنية الى السراي الحكومي الكبير، أي الى رئاسة الحكومة، بمعنى انّ ايّ تسوية في هذا المجال يجب ان تكون عبره او من خلاله.

 

وفي موازاة خلافه مع معظم القوى السياسية في الداخل، من الواضح ايضاً انّ لدى الحريري بعض المشكلات على مستوى علاقلاته مع بعض عواصم القرار العربية والدولية، وهو يدرك أنّ خروجه من معادلة الحكم والحكومة إنما يؤدي الى مزيد من إضعافه، فيما عودته الى رئاسة الحكومة من شأنها ان تشكّل مصلحة كبرى له لكي يعيد الامساك بالاوراق السياسية على اختلافها.

 

امّا عهد عون الذي كان على «زواج ماروني»، اذا جاز التعبير، مع الحريري فإنه يريد بقوة أن يثبت أنه يستطيع تأليف حكومة بمعزل عن الحريري وأي دور له في هذا المضمار، ويعتبر العهد انّ إفشاله في تشكيل مثل هذه الحكومة اذا حصل فإنّ من شأنه أن ينزع المبادرة من يده ويضعها في يد الحريري ويحوّله لاعباً ثانياً لا رئيساً، خصوصاً أنه يواجه أزمات عدة من علاقته المقطوعة مع تيار «المستقبل» الى علاقته المأزومة مع «القوات اللبنانية»، وانهيار جسور التواصل بينه وبين «الحزب التقدمي الاشتراكي»، بالاضافة الى العلاقة السيئة مع الشارع المنتفض، وكذلك مواجهتة لأصعب أزمة اقتصادية ومالية يعيشها لبنان في هذه المرحلة.

 

وبالتالي، فإنّ هذا العهد لا يتحمّل أي انكسار أمام الحريري لأنّ مثل هذا الانكسار اذا حصل سيكون بمثابة الضربة القاضية عليه وعلى دوره. كما أنّ الحريري بدوره لا يستطيع تحمُّل اي انكسار امام العهد، وبالتالي فإنّ الحكومة العتيدة تحوّلت حلبة المواجهة بينهما، فالحريري يضع كل ثقله للحؤول دون تأليف هذه الحكومة من خلال التشكيك السني بميثاقية تكليف حسان دياب، وكذلك من خلال اعتراض ما أمكن من القيادات والمرجعيات السياسية والدينية السنية على هذا التكليف. ويعتقد الحريري أنّ دياب إذا فشل نتيجة هذه العوامل والاعتراضات في تأليف الحكومة العتيدة، فإنه (أي الحريري) في هذه الحال سيستعيد وهجه ودوره على حساب العهد.

 

وفي المقابل، فإنّ العهد اذا نجح في تأليف هذه الحكومة وتثبيت دعائمها وانتزاع المشروعية المطلوبة لها من الداخل والخارج إنما يكون قد سجّل نقطة مهمة جداً في مرمى الحريري. ولذلك لن يكون الأمر مستغرباً إذا حصل دياب على تسهيلات كبرى لتأليف حكومته، لم يكن الحريري أو غيره ممّن سمّاهم خلال الاسابيع القليلة المنصرمة لخلافته في رئاسة الحكومة يتوقعون الحصول عليها، إذ انّ المطلوب بالنسبة الى العهد هو أن ينجح دياب لأنّ فشله سيؤدي الى عودة الحريري الى السراي الحكومي «على حصان أبيض».

 

وفي ضوء هذه المعطيات، فإنّ النزاع الدائر اليوم هو بين عون والحريري، أي بين عون الذي يريد أن يثبت أنّ «معادلة عون في القصر الجمهوري والحريري في السراي الحكومي» هي معادلة «غير صحيحة» أو «لم تعد ضرورية»، وأنه يستطيع أن يكمل عهده بلا الحريري، وبين الحريري الذي يريد ان يثبت أنّ خروجه من السراي الحكومي يعني انتهاء مفاعيل التسوية الرئاسية، وانّ عون لا يستطيع الاستمرار من دونها.