الزعيم الدرزي وليد جنبلاط ينزع فتيل فتنة طائفية تستهدف الحراك الشعبي.
 
اعتبرت أوساط لبنانية وعربية أن الأزمة اللبنانية دخلت منعطفا خطيرا بعد الحديث التلفزيوني الذي أدلى به الرئيس ميشال عون، مساء الثلاثاء، وكشف فيه عن رغبة بالعودة إلى ممارسة صلاحيات كانت له في مرحلة ما قبل اتفاق الطائف، في الوقت الذي بدت فيه  الضغوط التي تتعرض لها القيادات السياسية اللبنانية واضحة، بفيديو تم تداوله عن توتر الزعيم الدرزي وليد جنبلاط وهو يرد على محتجين تجمعوا أمام مستشفى استقبلت جثمان ضحية سقطت في الاحتجاجات.
 
وأوضحت هذه الأوساط أن الانعطافة في الأزمة اللبنانية، تمثلت مباشرة بعد الحديث التلفزيوني، في توجيه اللبنانيين المنتفضين في الشارع منذ السابع عشر من أكتوبر الماضي سهام انتقاداتهم إلى ميشال عون مباشرة، مطالبين باستقالته.
 
وحيّد الحراك الشعبي منذ بدئه ميشال عون عن قائمة المسؤولين المطالبين بالرحيل وركز على صهره جبران باسيل زعيم التيار الوطني الحر.
 
وكان ملفتا بعد الحديث التلفزيوني مع صحافيين لبنانيين محسوبين على وسيلتي إعلام تابعتين لإيران (تلفزيون “الميادين” وصحيفة “الأخبار”) بداية تحرّك واسع ضد رئيس الجمهورية في المناطق ذات الأكثرية السنّية على وجه التحديد وفي كل أنحاء لبنان.
 
وفسرت هذه الأوساط الغضب السنّي باستبعاد عون الطلب من سعد الحريري تشكيل الحكومة الجديدة من جهة وإصراره على الاتفاق على شكل الحكومة الجديدة قبل الاستشارات التي يفترض أن يجريها ميشال عون مع النواب، وهي مشاورات ملزمة.
 
وتجبر هذه الاستشارات رئيس الجمهورية على تكليف الشخصية التي تنال أكبر عدد من أصوات النوّاب بتشكيل الحكومة الجديدة.

ولاحظت الأوساط أن من بين أسباب غضب الشارع استخفاف رئيس الجمهورية بالمشاركين في الثورة الشعبية داعيا الذين لا يجدون “أوادم” بين المسؤولين إلى “مغادرة لبنان”.

ولم تنجح رئاسة الجمهورية، على الرغم من كلّ التفسيرات التي قدمتها لهذه العبارة في تهدئة الشارع السنّي والمسيحي والدرزي وحتّى الشيعي، بعدما أمعن ميشال عون في الدفاع عن “حزب الله” واصفا إياه بأنه “يمثل ثلث اللبنانيين”، أي كل الشيعة في لبنان. وردّد هذه العبارة مرات عدّة أثناء المقابلة.

وتوقفت الأوساط اللبنانية والعربية عند تجاهل رئيس الجمهورية لسلاح حزب الله معتبرا أن وجود هذا السلاح في لبنان والدور الذي يؤديه الحزب داخله وخارجه أمر طبيعي وليس هناك ما يدعو إلى الإتيان على ذكره.

وقالت إن أكثر ما استفزّ اللبنانيين أيضا مرور رئيس الجمهورية مرور الكرام على العلاقة بين “حزب الله” والعقوبات الأميركية التي باتت تهدّد كلّ مصارف لبنان في وقت يمرّ فيه البلد بأزمة اقتصادية غير مسبوقة.

وأثار حادث إطلاق النار في منطقة خلدة جنوب بيروت، مساء الثلاثاء، والذي ذهب ضحيته أحد ناشطي الحراك، قلقا من مغبة انفلات الأمور وتحول التحركات السلمية إلى صدامات أهلية داخلية، وهو ما يحذر مراقبون من إمكانية لجوء السلطة إليه في أي لحظة لوأد الحراك الذي نجح في تقديم نفسه كحراك فوق كل الطوائف.

واعتبر مراقبون أن مخاطرة الزعيم الدرزي وليد جنبلاط بالتوجه إلى المكان ومخاطبة جمهوره محاولا تهدئة غضبه، تكشف إدراك جنبلاط لخطورة الحدث وإمكانية الانزلاق نحو ردود فعل دموية خطيرة.

وكان حادث إطلاق نار قد جرى ضد مجموعة من المتظاهرين الذين كانوا يقطعون الطريق في تلك المنطقة، على منوال ما حدث في مناطق أخرى في لبنان، تعبيرا عن رفض للمواقف التي أطلقها رئيس الجمهورية ميشال عون في مقابلة تلفزيونية أجراها مساء الثلاثاء.

وأصدر الجيش اللبناني بيانا قال فيه إنه “أثناء مرور آلية عسكرية تابعة للجيش في محلة خلدة، صادفت مجموعة من المتظاهرين تقوم بقطع الطريق فحصل تلاسن وتدافع مع العسكريين مما اضطر أحد العناصر إلى إطلاق النار لتفريقهم ما أدى إلى إصابة أحد الأشخاص”.

وقد قتل في هذا الحادث علاء أبوفخر أمام عائلته، وهو ينتمي إلى الحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة جنبلاط. ونقل عن وسائل إعلام لبنانية أن مطلق النار مجند في جهاز مخابرات الجيش وهو من بلدة دير القمر، فيما أشارت بعض المصادر إلى أنه ينتمي إلى التيار الوطني الحر برئاسة وزير الخارجية جبران باسيل.

ولكن بغض النظر عن دقة هذه المعلومات فإن إثارة تحدره من بلدة دير القمر أعادت تجييش المشاعر التي تعود إلى مرحلة الحرب الأهلية في الجبل، فيما أن الحديث عن انتمائه إلى التيار العوني صب زيتا على نار الخلاف والتوتر بين الجنبلاطية السياسية والعونية السياسية.

ورغم الأنباء التي تحدثت عن توقيف مطلق النار (بعد مبادرته بتسليم نفسه) وبدء التحقيقات معه، وعلى الرغم مما تلقاه جنبلاط من إشادة بموقفه وبتصرفه كرجل دولة في هذه المرحلة الحساسة، إلا أن مراقبين تخوفوا من عدم قدرة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي على ضبط القاعدة الجماهيرية للحزب كما قاعدته الشعبية داخل الطائفة الدرزية في ما لو تكرر الأمر.

ونجح الحراك الشعبي في تقديم نفسه حراكا فوق الطوائف، إلا أن بعض المصادر السياسية تخشى من أي منزلق قد يعيد ترتيب الجمهور وفق الانقسامات الطائفية التقليدية.


وتقول هذه المصادر إن مسارعة جنبلاط إلى العمل على سحب فتيل التوتر هدفها تجنيب مناصريه ضريبة الدم والصدام، كما تجنب الوقوع في أفخاخ طائفية يستفيد منها التيار العوني الذي تتصدع شعبيته.

وتخلص هذه المصادر إلى أن انسداد أفق الحلول السياسية، وخصوصا بعد المواقف التي عبر عنها عون، قد يفتح الأبواب أمام احتمالات لا يمكن التنبؤ بها، كما يعرض الحراك المدني لاختراقات خطيرة من التيارات المتحالفة مع حزب الله.

وأشارت مصادر أمنية مراقبة بأن التوتر الذي شهده الجبل بعد حادثة خلدة يضاف إلى توترات أخرى شهدتها مناطق في بيروت وطرابلس قبل أسابيع إثر استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري. وأوضحت المصادر أن الاستعراضات بالدراجات النارية التي قام بها مناصرون لتيار المستقبل بزعامة الحريري في شوارع العاصمة، قد قوبلت باستغراب واستنكار من قبل الحراك الشعبي. فيما تخوف مراقبون من احتمالات حدوث احتكاكات بين أنصار المستقبل وأنصار تيارات أخرى كحركة أمل وحزب الله، ما يحوّل حركة الشارع إلى صدام فتنوي سني شيعي.

وكان الحريري وقيادة تيار المستقبل قد تدخلا مباشرة لإعادة ضبط الشارع في بيروت وطرابلس وتهدئة اندفاع جمهور التيار الأزرق الذي تحرك دفاعا عن زعيمه. وفيما اعتبر مراقبون ان التيار ربما بستخدام الشارع للتأثير على النخبة السياسية، لاسيما في مسألة تكليف شخصية سنية لتأليف الحكومة المقبلة، أكدت مصادر التيار أنه لا يمكن التأثير على الجمهور العريض للتيار، وأنه بالتالي لا يمكن التحكم دائما بتحركاته.

ورأى محللون أن فوضى الشارع قد تكون مفيدة لحزب الله وتيار الرئيس عون لإجبار كل التيارات السياسية إلى القبول بالصيغة الحكومية التي يفضلانها، وأن الصدام الطائفي والمذهبي قد يعيد تعويم خطاب نصرالله وعون وباسيل بديلا عن خطاب الحراك الذي يطالب بتشكيل حكومة من التكنوقراط خالية من أي من الوجوه السياسية.