أيّهما سكب الماء البارد على الصفيح الحكومي الساخن، رئيس الحكومة سعد الحريري عندما فاجأ الجميع بإعلانه انّ الحكومة ستؤلف خلال اسبوع الى عشرة ايام، مُطلِقاً عنان التفاؤل بـ"قرب الفرج" من الازمة الحكومية، ام رئيس "التيار الوطني الحر" الوزير جبران باسيل عندما أعلن الشروط والمعايير لتأليف الحكومة وتمثيل الافرقاء السياسيين فيها وكأنه المرجع صاحب الصلاحية في هذا الشأن الدستوري ليعيد أجواء التشاؤم؟

إعلان الحريري انّ حكومته ستؤلّف خلال أسبوع الى عشرة أيام، أطلق علامات استفهام كثيرة حول أبعاده والخلفيات، خصوصاً أنّ مثل هذا الاعلان وضع صدقية صاحبه على المحك في ظل الوضع السياسي المأزوم المحيط بالاستحقاق الحكومي، والذي لم يَرسُ على أي صيغة بعد منذ التكليف.

الاوساط السياسية الرسمية منها وغير الرسمية على اختلاف مواقعها ومستوياتها ومسمّياتها، وصولاً الى الاوساط الاقتصادية والشعبية، فوجئت بهذا الاعلان الحريري، الذي سكب "ماء باردة" على صفيح الأزمة الحكومية الساخن، هذه الأزمة المستحكمة والناجمة من الخلاف بين المعنيين وبعض الافرقاء السياسيين على التمثيل والاحجام وتوزيع الحقائب الوزارية ونوعيّاتها. وقد سارع فريق من هذه الاوساط الى الربط بين ما أعلنه الرجل وبين اللقاء الاخير الذي جمعه قبل أقل من 24 ساعة برئيس الجمهورية العماد ميشال عون.

ولكن في المقابل فإنّ الماء البارد الذي سكبه باسيل على الصفيح الحكومي غيّر المشهد كلياً، ليتزايد حجم الاسئلة حول ما استند اليه الحريري في تفاؤله بتأليف الحكومة خلال عشرة ايام حداً أقصى.

بعض المتابعين، يقول في هذا المجال، انّ تأكيد الحريري ولادة حكومته خلال هذه الايام المعدودة، يفترض انه كلام مسؤول لأنه يصدر عن المرجع الاساسي المعنيّ بتأليف الحكومة، وبالتالي لا يمكن ان تكون غاية صاحبه افتعال إيجابيّات فقط، على حد ما لمّح باسيل اليه مباشرة ومداورة، عندما قال إنه "لا يريد أن يعطي الناس تفاؤلاً مفتعلاً لأنّ ذلك يتسبب في إحباط أكبر"، واعتبر انّ "تفاؤل الرئيس المكلف قد يكون مبنياً على معطيات حقيقية في حال قام بحسم الامور، عندها يكون التفاؤل منطقياً وواقعياً، وهذه إيجابية نريدها، وعلى هذا الأساس ننتظر رئيس الحكومة الذي قال انّ كل الامور قابلة للحل".

وفي رأي متابعين انّ باسيل غيّر المشهد التفاؤلي خلال مؤتمره الصحافي أمس، والذي اعلن عنه قبَيل إطلالة الحريري التلفزيونية، إذ بدا من كلامه انه يتهم الرئيس المكلف بافتعال ايجابيات غير موجودة، موحياً انّ على الحريري، اذا اراد ان يعالج الازمة الحكومية، ان لا يعالجها على حساب "التيار الوطني الحر" او تكتل "لبنان القوي"، لا فارق. علماً انّ باسيل تحدث أمس بمنطق مَن يملك صلاحية تأليف الحكومة عندما اكد انّ حصة "القوات اللبنانية" هي 3 وزراء، وانّ هناك "فيتو وطنياً" على تولّيها حقيبة وزارية سيادية، مؤكداً انّ "التيار الحر" يقدم تنازلات تسهّل تأليف الحكومة، وانّ على الحريري والآخرين ان يقدموا "تنازلات فعلية".

ولكن في ضوء هذا الكلام الباسيلي كبر حجم التساؤلات حول دافع الحريري الى هذا التفاؤل المفرط بالولادة الحكومية سريعاً، فالبعض ذهب الى القول انّ الرجل استند الى انّ ما حصل من انفراج في الازمة السياسية العراقية تمثّل بانتخاب رئيس للجمهورية وتكليف شخصية لتأليف الحكومة، ما أتاح "تنفيسة" معينة تتيح في لبنان الشروع بتأليف الحكومة.

وبعض آخر سأل: هل انّ الحريري تعمّد إعلان هذه الايجابية المفاجئة على سبيل المناورة لإلقاء الحجّة على الآخر وإظهار انه هو من يعرقل التأليف، وفي هذا يكون قد اوقع باسيل في الفخ الذي بَدا في مؤتمره الصحافي كأنه يتلو مَضبطة شروط لتأليف الحكومة، وظهر كأنه من يعرقل او يمانع الولادة الحكومية ما لم تلبَّ هذه الشروط؟

وبعض ثالث قال انّ القاصي والداني يعرف انه بعد هذه الاشهر الاربعة التي انقضَت على التكليف وما شهدته وتشهده من خلافات وتجاذبات بين المعنيين تعرقل تأليف الحكومة، لا يمكن ان يكون قد زال بين ليلة وضحاها وباتَ التأليف أمراً مُتاحاً بهذه السرعة، ما يعني انّ في الامر "استخفاف واستهتار واستلشاق" بعقول الناس بعد كل هذا الانتظار.

ولذلك، يقول هؤلاء انه لا يعقل ان يكون وارداً لدى الحريري ان يبخّس بصدقيته أمام الرأي العام، والمغامرة بالإعلان عن انه سيؤلف الحكومة خلال الايام العشرة المقبلة، لينصب فخاً لباسيل ويظهره أمام الرأي العام أنه "المعطل الأول" لتأليف الحكومة. فإذا صحّت هذه النظرية ربما يكون باسيل قد وقع في الفخ، علماً أنّ بعض السياسيين اعتبروا انّ باسيل أظهر من خلال كلامه امس وكأنه "الآمر الناهي" في موضوع تأليف الحكومة، وليس فريقاً يفاوض كغيره من الافرقاء لتحقيق التمثيل الوزاري الافضل لتيّاره فيها.

لكنّ فريقاً من السياسيين المطلعين يؤكد ان الحريري ربما يكون قد استند في تفاؤله بالولادة الحكومية "الوشيكة" الى معطيات إقليمية ودولية جدية تشجّع على الشروع في هذه الخطوة، وهذه المعطيات ربما تكون وصلت إليه قبل سواه من المعنيين، خصوصاً أنّ هناك معطيات ترشح منذ أسابيع من الرياض تشير الى استعداد القيادة السعودية للمساعدة في تسهيل تأليف الحكومة، وذلك خلافاً لِما يردده البعض من وجود عدم اهتمام سعودي ملحوظ بهذا الاستحقاق الدستوري اللبناني.

وفي اي حال فإنّ صحة وجود مثل هذه المعطيات من عدمه ستظهر في الايام القليلة المقبلة، في حال صدور مراسيم تأليف الحكومة من عدمه خلال الايام التي حددها الحريري لحصول هذا التأليف.