ها نحن في فصل الصيف، فصل التسلية والإستراحة. ولكن للوالدين، لا فصلَ للإسترخاء والإستجمام، إلّا إذا عرفا كيفية تنظيم عطلة أولادهما الصيفية. ونلاحظ أنّ الأمّهات يحترن ولا يعرفن كيف يملأن وقت فراغ أطفالهن الذين يُظهرون مللهم، ولو بعد يوم نشاط طويل. ولا يعرف الآباء كيف يساعدون أطفالهم في الاستفادة من «العطلة الصيفية»؟ أما بالنسبة لبعض الأطفال، فلا شيءَ يمكن أن يرضيهم، حتى لو «تجنّد» والداهم 24 ساعة يومياً، لتأمين نشاطات ونزهات خارج البيت. فكيف يمكن للوالدين أن ينظّما «عطلة فصل الصيف»؟ وكيف يمكنهما أن يشارِكا في هذه النشاطات المهمّة للطفل على صعيد نموّه النفسي والجسدي؟
 

بعد يوم طويل على شاطىء البحر، يعود الطفل إلى بيته ويطلب من أبيه الخروج مجدّداً متذرّعاً بأنه يشعر بالملل. وتعود الفتاة الصغيرة إلى المنزل بعدما أمضت النهار عند صديقتها، وتطلب من والديها نزهة لأن «ضاق خلقها»... وغيرها من الحالات التي نشاهدها في عائلاتنا تجعلنا نتساءل أحياناً، من أين تأتي تلك «الطاقة» عند الاطفال؟ ولكنّ الأمر طبيعي، لأنّ كل طفل يحب اكتشافَ العالم الخارجي، لذا هو يطلب باستمرار الخروج والتنزّه. ودور الأهل أساسي في تنظيم هذه «الطاقة» الإيجابية التي تساعد في نموّه المعرفي والذكائي والإجتماعي.

 

تنظيمُ النشاطات... تنظيمٌ نفسي


من أهم الأدوار التي يقوم بها الأهل، غير التربية السويّة، تعليم الطفل مبدأ التنظيم. هذا المبدأ يتعلّمه من المنزل. فكلّما كان الوالدان يتمتّعان بصفة «التنظيم»، كلّما استطاع الطفل أن يتأقلم مع حاجياته وأن ينظّم حياته لمدى عمره. كما أنّ تنظيم النشاطات التي سيقوم بها الأهل مع أطفالهم، يؤثّر تأثيراً مباشراً على التنظيم النفسي عند الطفل. ومن الأدوار المهمة أيضاً التي يمارسها الأهل والتي تساعد في تنظيم النشاطات الصيفية عند الطفل نجد:


• تنمية الشعور بالمسؤولية: علينا أن نفسّر للطفل أنّ هناك نشاطات سيقوم بها، كما هناك أيضاً أوقات للإستراحة. ونضيف لتفسيراتنا بعض الأمثلة التي تساعد هذا الأخير بفهم «مسؤولياته». وحول هذا الموضوع، يجب أن يعرف الأهل أنّ كل طفل يسعى لفرض شخصيّته ويحاول بسط سيطرته وسلطته ليشعر بالحرّية أي يرفض كل ما يطلبه الأهل. وطبعاً هذا أيضاً تصرّفٌ طبيعي. لذا يجب تنمية مبدأ الإختيار عند الطفل ومبدأ المسؤولية عن نفسه والتفكير بردّات فعله. ولا يجب أن يتهاون الأهل بهذا الموضوع، بل عليهم التفسير مرّات عدة إذا استلزم الأمر. وفي حال لم يرضخ الطفل لطلبات الأهل وتوجيهاتهم، يجب أن يفهم بأنّ هناك «عقاباً» ينتظره. وهنا نشدّد على أنّ العقاب يجب أن يكون تربوياً وليس «إنتقامياً».


• تخصيص وقت للطفل: ويعني ذلك أنّ الوالدين يجب أن يخصّصا وقتاً لكل طفل من أطفالهم. وطبعاً هذا عمل شاق ولكن يمكن أن يقوم به الأهل مرة في الشهر. وهذا النشاط يعزّز العلاقة ما بين الأهل والطفل الذي يشعر بأنّ والديه يقدّمان له وقتاً خاصاً يكون فيه محور إهتمامهما. كما أنّ هذا المبدأ يساعد الطفل، الذي يغار من إخوته وأخواته، في استرجاع ثقته بنفسه والشعور بأنه ما زال محبوباً رغم وجود أخ أو أخت معه في البيت.


النشاطات وتنمية الثقة بالنفس خلال النشاطات الصيفية، يجب أن يقوم الأهل بتنمية الثقة عند أولادهم. وهذه ميزة مهمة جداً، تساعد الطفل على التقدّم من خلال تشجيعه وتهنئته حتى لو كان نشاطُه بسيطاً وصغيراً. كما يجب على الاهل أن يستبدلوا جملة: «لا تستطيع أن تقوم بذلك!» بجملة أخرى وهي: «حاول!». كما أنّ معرفة الطفل جيداً، أي معرفة ما الذي يحبه والذي لا يحبه تخوّلكم مساعدته من خلال تقليل نوبات الغضب عنده. فيردّد بعض الأطفال جملة: «لا أريد» وكلّنا نعرف بأنّ هذه طريقة يستعملها الطفل فقط للفت نظرنا.

وهنا تأتي ردة فعل الأهل التي يمكن أن تكون عنيفة وقاسية لأنهم يعتبرون أنّ هذا التصرّف هو تصرّف خاطئ. وتكون ردة فعل الأهل أحياناً لا مبالية معتبرين أنّ الطفل لن يتجاوب مع ملاحظاتهم فيعطونه ما يريد وتختفي الصراعات لوقت قصير، ثمّ ما تلبث لتعود لاحقاً. والواقع هو أنّ الأهل لا يعرفون أنّ الولد يستعمل العديد من الحِيل لتثبيت وجوده فقط وكأنّه يقول لهم: «أنا موجود». في هذه الحال، يجب التكلم مع الطفل بالموضوع الذي يزعجه، أو يمكن أن يقترح أحد الأهل نشاطاً يحبه الطفل. خلال النشاط يجب التكلم في «المشكلة» التي تنتاب الطفل ومحاولة حلّها.

كما أنّه يجب استعمال أخطاء وهفوات الطفل كقواعد لتعليمه. فمهمّة الأم (أو الأب) في هذا الخصوص، هي التفسير بطريقة مبسّطة وهادئة ومنطقيّة للطفل لكي يفهم نتيجة تصرفه العشوائي. فمثلاً، إذا أوقع طفلك عصيرَه على الأرض، يجب أن تفسّر الأم لطفلها أنّه لو تروّى ومشى بهدوء وبدون إستعجال، ما كان ليحصل ما حَصَلْ. وعلى الأم أن تطلب من ولدها تنظيف المكان المتّسخ. فبهذه الطريقة، تكون الأم قد علّمته الهدوء بالتصرفات وتحمُّل مسؤولية أخطائه بتنظيف المكان المتّسخ.


كما أنّ تشجيع الطفل على إصلاح أخطائه أو ما أفسده، أي بعد كسر لعبة أو تمزيق ورقة أو الكتابة على جدار الحائط، وعلى التعويض عن كل هذا التصرف غير اللائق. فمثلاً: بعدما «خرطش» على الحائط، نطلب منه أن ينظف الحائط (طبعاً بقدر إمكاناته الجسدية). كما يجب التشديد معه بعدم تكرار فعلته وإلّا سيُعاقب. وهنا على الأم أن تساعد الطفل في إيجاد حلول لتصرفه غير المقبول، فتسأله: «بما سننظّف الحائط؟»... فإيجاد حلول للمشكلة مهارة إجتماعية يكتسبها الطفل في بيته وفي الحضانة ثمّ في مدرسته.

 

النشاطاتُ الصيفيّة... ما هي؟


لا تقتصر النشاطات الصيفية على التسلية واللعب. فيجب أن يكون لهذه النشاطات هدف أو أهداف تساعد الطفل في عملية نموّه. إذ رغم أهمية التسلية والمرح وتمضية وقت ممتع، يجب أن يتعلّم الطفل أيضاً ويستفيد من نشاطاته. وأبرزها:


أولاً، نشاطات خارج البيت، ومن أهمّها النشاطات الرياضية كالسباحة كنشاط فردي وكرة القدم كنشاط جماعي.. وطبعاً هذه النشاطات لها تأثيرات إيجابية على صحة الأطفال ونموّهم النفسي والذكائي.


ثانياً، الأنشطة داخل المنزل ومنها: الأعمال المنزلية وتشجيع الطفل للمشارَكة بها. بهذه الطريقة، نسلّي الطفل كما نعلّمه مبدأ التعاون وهو من أهم المبادئ التي سيستعملها طوال أيام حياته. ويمكن أن تكون هذه الطلبات بسيطة ومناسبة لعمر الطفل، كتنظيف غرفته أو صناعة قالب حلوى أو تحضير سلطة.... أما في البيوت المتواجد فيها خادمة، فيطبّق عليها أيضاً هذا المبدأ من خلال إعطاء الولد عملاً مناسباً لعمره لمساعدة الخادمة وأفراد عائلته.


كما هناك العديد من النشاطات الهادئة، كقراءة القصص والمجلّات للتسلية والمرح واكتساب معلومات جديدة.