برزت أمام تشكيل الحكومة عقدة لا يفترض أساساً أن تكون موجودة، ولكن النكد وازدواجية المعايير والتشَفّي السياسي كانت وراء تمسّك الوزير جبران باسيل بتوزير النائب طلال إرسلان، خلافاً للميثاقية التي يتكلم عنها على عدد الدقائق.
 

يظنّ البعض انه قادر على كل شيء، وان ما يفكر به لا يمكن ان يخطر على بال أحد، وانّ تركيب كتلة بين ليلة وضحاها لأسباب توزيرية يشكل مدخلاً محسوماً إلى جنة الحكومة، وانه بهذه الطريقة يقطع الطريق على أي اعتراض أكيد أو محتمل.

لم يشأ الوزير جبران باسيل التحالف انتخابياً مع «الحزب التقدمي الإشتراكي» في الجبل، فالعلاقة بينه وبين النائب وليد جنبلاط لم تستقم يوماً على غرار علاقته مع الرئيس نبيه بري، بل يعتبر انّ أوّل إنجاز حقّقه يكمن في إبعاد الرئيس سعد الحريري عن بري وجنبلاط، فيما يعتبر باسيل انّ ثمة فرصة ثمينة لإضعاف جنبلاط عن طريق تعزيز وضعية النائب إرسلان سياسياً وخدماتياً.

والخطة التي يتبعها مع جنبلاط حاول اتّباعها مع بري عن طريق تخيير «حزب الله» بينه وبين بري، ولكنه لم ينجح بسبب تمسّك الحزب بالعلاقة الاستراتيجية مع رئيس مجلس النواب، والأمر نفسه يتبعه مع النائب ميشال معوض في مواجهة النائب سليمان فرنجية، على رغم انّ توجّهات معوض الوطنية تختلف عن التوجهات الباسيلية.

وأمّا مع «القوات» فخطته مزدوجة: تقوية الخط الباسيلي عبر النفوذ والسلطة، والسعي إلى تحجيم «القوات»، وكلّ ذلك يدخل من ضمن خطة هدفها التخلّص من بري شيعياً وجنبلاط درزياً وجعجع وفرنجية مسيحياً من أجل تعبيد طريق بعبدا أمام شخصه، ظنّاً منه انّ هذه القوى تشكّل عائقاً أمام انتخابه رئيساً.

فالوزير باسيل يعمل على أكثر من خط وجبهة، ويعتبر انّ سيبة انتخابه رئيساً للجمهورية يجب ان ترتكز على السيد حسن نصرالله شيعياً والحريري سنياً وارسلان درزياً والخط الباسيلي مسيحياً، وبالتالي يعمل على مواجهة كل القوى الأخرى وإضعافها.

وسياسة من هذا النوع تعتبر عقيمة كونها تقوم على مبدأ المواجهة وليس على أساس مشروع سياسي يفرز لوحده القوى الموالية لهذا المشروع والمعارضة له، كما انّ سياسة من هذا النوع تؤدي إلى شَد العصب والتعبئة رفضاً للإلغاء والتهميش والإقصاء، وبالتالي تنعكس على كل المناخ والاستقرار السياسيين.
وفي صميم هذا الجو برزت العقدة الدرزية المتمثلة بتوزير إرسلان، الأمر الذي واجهه جنبلاط بشراسة وسيخرج من المعركة منتصراً للأسباب الآتية:

السبب الأول ميثاقي بامتياز، فلا يمكن للوزير باسيل ان يُزايد بالميثاقية مسيحياً وان يضرب بالميثاقية عرض الحائط درزياً. فالميثاقية إمّا تطبّق على الجميع او لا تطبّق على أحد، وهذا الكلام ليس المقصود منه إطلاقاً الانتقاص من النائب طلال إرسلان، إنما المقصود عرض الوقائع كما هي عليه والتي تؤكد بوضوح انّ التمثيل الدرزي هو تمثيل جنبلاطي بامتياز، وكان بإمكان جنبلاط وفي القانون الحالي ان يسقط إرسلان والذي حتى نجاحه في سياق منافسة فعلية لا يخوّله أن يكون وزيراً كون الأكثرية الدرزية هي جنبلاطية.

فالدروز قالوا كلمتهم في الانتخابات، ولا يجوز تحت اي عنوان محاولة الالتفاف على ما أفرزته صناديق الاقتراع درزياً كما تجري المحاولة مسيحياً، فيما «اللعب» داخل الساحة الدرزية له محاذيره، كما «اللعب» في أي ساحة أخرى، إنما المطلوب احترام الجانب الميثاقي والتوازنات داخل الطوائف، الأمر الذي يؤشّر إمّا إلى غياب الخبرة، وإمّا إلى نزعة فتنوية، وإمّا إلى التفاعل مع كلمة سر خارجية.

السبب الثاني سياسي بامتياز، حيث انّ جنبلاط يستند إلى تحالف وثيق مع «القوات» مسيحياً، وحرص «مستقبلي» على مراعاته سيترجم من خلال رفض الحريري التوقيع على تشكيلة تستفزّ جنبلاط، وتحالف وثيق مع بري وتَفهّم من قبل «حزب الله». وعلاوة على ذلك، إنّ «حزب الله» لا ينظر بعين الارتياح إلى خطوات إرسلان من رفضه التجاوب مع مبادرات الحزب عشيّة الانتخابات، إلى وضع أوراقه لدى جبران باسيل.

وما يجدر قوله في هذا المجال انّ «حزب الله»، الذي وقّع معه العماد عون وثيقة التفاهم في شباط 2006 عندما كان في خلاف مُستشرٍ مع الحريري وجنبلاط، يرفض التنازل من حصته عن مقعد شيعي للرئيس مقابل مبادلة مطروحة حريرياً وجنبلاطياً.

فتوزير إرسلان لا يمكن ان يمر لا في المختارة ولا في بيت الوسط ولا في عين التينة ولا في معراب ولا في حارة حريك، والطريق الوحيد لتوزيره المختارة وحدها، حيث انّ توزير ارسلان لا يكون عن طريق التحدي، إنما يكون فقط بموافقة جنبلاط وتفهّمه.

فإذا كان رئيس الجمهورية يريد ان يبادل وزير مسيحي بوزير درزي، فالمبادلة ستحصل مع جنبلاط، واختيار الشخصية الدرزية يكون بالتفاهم معه حرصاً على التوازنات داخل الطائفة الدرزية.

السبب الثالث درزي بامتياز، حيث انّ النائب جنبلاط الذي يسهر على نقل الزعامة إلى نجله لن يتهاون في هذه المرحلة تحديداً مع ايّ عبث بالساحة الدرزية. وبالتالي، استغلال عملية الانتقال من الأب إلى الابن في محاولة لفرض وقائع جديدة لا يمكن أن تمر، بل من المتوقع ان يتشَدّد رئيس «الإشتراكي» في هذه المرحلة أكثر من اي يوم مضى، لأنّ اي اختراق محتمل في مرحلة تحولات داخلية يمكن ان يؤسس لواقع درزي جديد، ولذلك، لن يسمح بذلك.

فلكل ما تقدم من اعتبارات وغيرها طبعاً سيخرج النائب جنبلاط من معركة فرض توزير النائب إرسلان عليه فرضاً منتصراً، ولكن الأهم من هوية المنتصر أو الخاسر الاتّعاظ من التجربة الأخيرة والتجارب التاريخية بغية عدم تكرار كل ما يمسّ بالجوانب الميثاقية والتوازنات داخل الجماعات والحدائق الخلفية للطوائف. فهل مَن يَتّعظ ويعتبر؟